كُناشٌ.. يجمع خربشاتي

Archive for سبتمبر, 2013

ملاحظة

أقسام السنة النبوية عند الطاهر بن عاشور (تهذيب وتوضيح)

تحت عنوان (انتصاب الشارع للتشريع في كتابه: مقاصد الشريعة)
كتب  الإمام الطاهر بن عاشور

<…> فما يهم الناظر في مقاصد الشريعة تمييز مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفرقة بين أنواع تصرفاته <…>

<…> وهي  اثني عشر حالا: التشريع ، والفتوى ، والقضاء ، والإمارة ، والهدى ، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرد عن الإرشاد<الجبلة والعادة>

1-   فأما حال التشريع

فهو أغلب الأحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لأجله بعثه الله كما اشار إليه قوله تعالى: ((وما محمد إلا رسول)) وقرائن الانتصاب للتشريع ظاهرة.

أمثلة:
– خطبة حجة الوداع وكيف أقام مسمّعين يسمّعون الناس ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حجه الوداع: (خذوا عنى مناسككم) وقوله: عقب الخطاب: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب).

2-   وأما حال الإفتاء

<  يقصد الأحوال التي يجيب فيها عن الأسئلة والفتوى التي ترد عليه >

أمثلة:
ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع على ناقته بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: لم أُشعر فحلقت قبل أن أنحر فقال: (انحر ولا حرج) ثم جاء آخر فقال:نحرت قبل أن أرمى، قال: (ارم ولا حرج) ثم أتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل ان أرمى قال: (ارم ولا حرج) فما سئل عن شيء قُدم ولا أُخر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض إلا قال: (أفعل ولا حرج)

3-   وأما حال القضاء

تعريفه:
فهو ما يصدر حين الفصل بين المتخاصمين المتشادّين. فكل تصرف كان بغير حضور خصمين فليس بقضاء مثل ما في حديث هند بنت عتبة <وفيه أنها شكت بخل أبي سفيان وعدم إعطائها ما يكفيها من المال، فأجاز لها أن تأخذ بدون علمه بالمعروف>

أمثلته:
– قوله صلي الله علية وسلم: (امسك يا زبير حتي يبلغ الماء الجدر ثم أرسله)
– وقضائه في خصومة الحضرمي والكندي في أرض بينهما
– وقوله حين شكت إليه حبيبة بنت سهل الأنصاري زوجة ثابت بن قيس وذكرت أنها لا تحبه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟) قالت : كل ما أعطاني هو عندي فقال رسول الله لثابت: (خذ منها) فأخذ حديقته وطلقها.


من علاماته:

قول الخصم للرسول صلي الله عليه وسلم: اقض بيننا، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” لأقضين بينكما”

أمثلة لهذه العلامة:
– عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء أعرابي ومعه خصمه فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال خصمه وكان أفقه منه: صدق اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم وذكرا قضيتهما فقال رسول الله: (لأقضين بينكما بكتاب الله …)

<…>

وهذه الأحوال الثلاثة <التشريع والإفتاء والقضاء> كلها شواهد التشريع وليست التفرقة بينها إلا لمعرفة اندراج أصول الشريعة تحتها.

<مسألة تتعلق بـ> الفتوى والقضاء <دون التشريع>: كلاهما تطبيق للتشريع
ويكونان في الغالب <1>  لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي <أي تنزيلا للحكم النظري في الواقع العملي>
وقد يكونان <2>   لأجل عموم وخصوص وجهى بين الحكم التشريعي العام وبين حكم المسألة أو القضية بأن يكون المستفتي قد عرض لفعله عارض أوجب اندراجه تحت قاعدة شرعية لا لكون الفعل نفسه مندرجا تحت قاعدة شرعية <معناه أن المسألة يكون لها حكم في أصلها (جائزة مثلا) لكن لدخول عارض عليها تغير الحكم (جعلها محرمة بالفتوى أو القضاء مثلا) لأجل ذلك العارض فإذا زال العارض رجع الحكم لأصله (فيعود للجواز مثلا)>.

مثاله <تغير الحكم لعارض> في الفتوى:
– النهي عن الانتباذ في الدّبّاء والحَنْتَم والمُزَفّت والنقير فإن هذا النهى تعين كونه لأوصاف عارضة توجب تسرع الاختمار لهذه الأنبذة في بلاد الحجاز فلا يؤخذ ذلك النهى أصلا يحرم لأجله وضع النبيذ في دباءة أو حنتمة مثلا لمن هو في قطر بارد ولو قال بعض أهل العلم بذلك= لعرض الشريعة للاستخفاف.

- وكذلك القول في الأقضية مثل قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار فإن ذلك يحمل على أن الراوي رأى جارا قضى له بالشفعة ولم يعلم أنه <الجار> شريك.

4-   وأما حال الإمارة

<اجتهاد بشري يجب على المأمورين خاصة اتباعه وليس حكما عاما>


أمثلة
:
– النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية في غزوة خيبر فقد اختلف الصحابة:
<1> هل كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأمره بإكفاء القدور التي طبخت فيها نهي تشريع فيقتضى تحريم لحوم الحمر الأهلية في كل الأحوال؟
<2> أو نهي إمرة لمصلحة الجيش لأنهم في تلك الغزوة كانت حمولتهم الحمير
– وقوله صلى الله عليه وسلم : (من أحيى أرضا ميتة فيهي له) قال القرافي: “اختلف العلماء في هذا القول
<1> هل هو تصرف بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يحيي أرضا ولو لم يأذن الإمام؟
<2> أو هو تصرف بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام؟”

- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: (من قتل قتيلاً فله سلبه):
<1> فجعله مالك تصرفا بالإمارة فقال: لا يجوز إعطاء السلب إلا بإذن الإمام وهو من النفل وهو خارج من الخمس الذى هو موكول لاجتهاد أمير الجيش وبذلك قال أبو حنيفة أيضا
<2> وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يتوقف ذلك على إذن الإمام بل هو حق للقاتل فرأوه تصرفاً بالفتوى والتبليغ.

5-   وأما حال الهدي والإرشاد

تعريفه:
فالهدي والإرشاد أعم من التشريع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يأمر وينهى وليس المقصود العزم <الوجوب>، ولكن المقصود الإرشاد الى طرق الخير فإن المرغبات وأوصاف نعيم أهل الجنة وأكثر المندوبات من قبيل الإرشاد. فالهدى والإرشاد هنا خصوص الإرشاد إلى مكارم الأخلاق وآداب الصحبة وكذلك الإرشاد إلى الاعتقاد الصحيح.

أمثلة:
– في الحديث الصحيح عن أبى ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عبيدكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل مالا يطيق فإن كلفه فليعنه) قال الراوي: لقيت أبا ذر وغلاما له وعلى غلامه حلة فقلت أبى ذر: ما هذا ؟ فقال : تعال أحدثك ، إني ساببت عبداً لي فعيرته بأمه ، فشكاني الى رسول الله فقال رسول الله: ( أعيرته بأمه يا أباذر) قلت: نعم ، قال: (إنك امرؤ فيك جاهلية عبيدكم خولكم….) الحديث

6-   أما حال المصالحة بين الناس

فهو حال يخالف حال القضاء <بمعنى أنه ليس تطبيقا لأمر تشريعي ملزم كالقضاء>

أمثلة:
– تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اختصم إليه الزبير وحميد الأنصاري في شراج <:سيل الماء> الحرة <:مكان> كانا يسقيان به فقال رسول الله للزبير: (اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك) فلما غضب حميد الأنصاري قال رسول الله للزبير: )اسق ثم احبس حتى يبلغ الماء الجدر) قال عروة بن الزبير:وكان رسول الله أشار برأي فيه سعة للزبير وللأنصاري ثم استوعى رسول الله للزبير حقه في صريح الحكم.

- وقضية كعب بن مالك حين طالب عبد الله بن أبى حدرد بمال كان له عليه فارتفعت أصواتهما في المسجد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا كعب) وأشار بيده أي ضع الشطر فرضي كعب فأخذ نصف المال الذى له على ابن أبى حدرد.

7-   واما حال الإشارة على المستشير

<يكون حين يستشير أحد الصحابة الرسول في أمر ما فيشير عليه الرسول برأيه لا على وجه الإلزام أو التشريع>

أمثلة:

- في الموطأ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله <تصدق بفرس صالح للجهاد على رجل>، فأضاعه الرجل الذى أعطاه عمر إياه <أهمله الرجل الذي تصدق عليه عمر حتى هزل الفرس وضعف >، ورام <:أراد الرجل> بيعه، فرام عمر أن يشتريه وظن أن صاحبه بائعه برخص. فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: (لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم فإن الراجع في صدقته كالكلب يعود في قيئه).
فهذه إشارة من رسول الله على عمر ولم يعلم أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل ذلك نهيا علنا فمن أجل ذلك اختلف العلماء في محمل النهى:
<1> فقال الجمهور: هو نهى تنزيه كيلا يتبع الرجل نفسه ما تصدق به فجعله لله وحمل على هذا قول مالك في الموطأ والمدونة لجزمه بأن ذلك البيع لو وقع لم يفسخ
<2> وحمله <مالك> في الموازية على التحريم ولم يقل: إن البيع يفسخ مع أنه لو كان نهى تحريم لأوجب فسخ البيع لأن أصل المذهب <المالكي> أن النهى يقتضى الفساد إلا لدليل.

- وعلى هذا المحمل يحمل عندي حديث بريرة حين رام أهلها بيعها ورغبت عائشة في شرائها واشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم وأبت عائشة ذلك وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كالمستشيرة فقال لها: (لا عليك أن تشترطي لهم الولاء) وفي رواية: (خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق) ففعلت عائشة ذلك ثم خطب رسول الله في الناس خطبة قال فيها: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله…(الى قوله) وإنما الولاء لمن أعتق) فلو كان قوله لعائشة تشريعا أو فتوى <قوله: (اشترطي لهم الولاء) قد يعد دليلا على صحة الشرط> لكان الشرط ماضيا <صحيحا> ولعارض قوله في الخطبة )إنما الولاء لمن أعتق) ولكنه <حين قال: (اشترطي لهم الولاء)>  كان إشارة منه على عائشة بحق شرعي <وهو أنه مهما اشترطت ذلك فإن الولاء لها، فكان من قبيل الإرشاد لا الفتوى والإقرار بصحة الشرط> حتى تسنى لها التحصيل عليه مع حصول رغبتها في شراء بريرة وعتقها.
وهذا منزع في فهم هذا الحديث هو من فتوحات الله على وبه يندفع كل إشكال حير العلماء في محمل هذا الحديث.

- وعلى مثل هذا المحمل حمل زيد بن ثابت نهي رسول الله عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه ففي صحيح البخاري عن زيد: كان الناس في عهد رسول الله يبتاعون الثمار فإذا جذّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الدُّمان أصابه مُراض أصابه قُشام (عاهات يحتجون) بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة: (فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر) قال زيد بن ثابت:كالمشورة يشير بها عليهم لكثرة خصومتهم.

8-   وأما حال النصيحة

<وهي قريبة مما قبلها على أنه في حال النصيحة يبتدر بها الرسول لأصحابه دون سابق استشارة كما في حال المشورة>

أمثلة:
– ما في الموطأ والصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه بشير بن سعد نحل <أهدى> النعمان ابنه غلاما من ماله دون بقية أبنائه. فقالت له زوجه عمرة بنت رواحة وهي أم النعمان: لا أرضى حتى تشهد رسول الله فذهب بشير وأعلم رسول الله بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أكل ولدك نحلت مثله؟) قال : لا. قال:  (لا تشهدني على جور) وفي رواية: (أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء) قال : نعم قال: (فلا إذن(.

<1> فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن رسول الله نهى بشيرا عن ذلك نظرا إلى البر والصلة لأبنائه ولم يرد تحريمه ولا إبطال العطية <من الوالد لأحد الأبناء> ولذلك قال مالك: يجوز للرجل أن يهب لبعض ولده ماله ، وما نظروا إلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يشتهر عنه هذا النهي علمنا أنه نهي نصيحة لكمال إصلاح أمر العائلة وليس تحجيرا ويؤيد ذلك ما في بعض روايات الحديث أنه قال: (لا ، أشهد غيرى)

<2> وذهب طاوس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسفيان وداود بن علي إلى تحريم مثل هذه النحلة وقوفا منهم عند ظاهر النهى.

- ومن هذا أيضا حديث فاطمة ابنة قيس في صحيح مسلم أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن معاوية بن أبى سفيان وأبا جهم خطباها فقال لها رسول الله: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك) لا يدل على انه لا يجوز للمرأة أن تتزوج برجل فقير ولكنها استشارت رسول الله فأشار عليها بما هو أصلح لها.

9-   وأما حال طلب حمل النفوس على الأكمل من الأحوال

 

تعريفه:

 فذلك كثير من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونواهيه الراجعة الى تكميل نفوس أصحابه وحملهم على ما يليق بجلال مرتبتهم في الدين من الاتصاف بأكمل الأحوال مما لو حمل عليه جميع الأمة لكان حرجا عليهم. <…>

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه مشرعا لهم بالخصوص فكان يحملهم على أكمل الأحوال لأنهم أعدوا ليكونوا حملة هذا الدين وناشري لوائه <…>

أمثلة:

- في صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع: (أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ، وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإفشاء السلام وإجابة الداعي.. ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة وعن المياثر الحمر والقسّيّة والإستبرق والديباج والحرير<أشكال من الترفه>) فجمع مأمورات ومنهيات مختلطة بعضها مما علم وجوبه في مثل: نصر المظلوم مع القدرة. وتحريمه في مثل: الشرب في آنية الفضة. وبعضها مما علم عدم وجوبه في الأمر مثل: تشميت العاطس وإبرار المقسم. أو عدم تحريمه في النهى مثل: المياثر والقسية.

فما تلك المنهيات إلا لأجل تنزيه أصحابه عن التظاهر بمظاهر البذخ والفخفخة للترفه وللتزين بالألوان الغريبة وهى الحمرة ، وبذلك تندفع الحيرة في وجه النهى عن كثير مما ذكر في هذا الحديث مما لم يهتد إليه الخائضون في شرحه.

- ويشهد لهذا ما رواه أبوداود عن على بن أبى طالب أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسِّيِّ ، وعن لبس المعصفر وعن تختم الذهب وعن القراءة في الركوع والسجود ولا أقول نهاكم). يعنى أن بعض هذه المنهيات لم ينه عنها جميع الأمة بل خص بالنهى عليا.

- ومن الأمثلة حديث أبى رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بصقبه) أي: ما يليه. أي: أحق بشرائه إذا باعه جاره. فما هو إلا لحمل أصحابه على المواساة والمؤاخاة ولذلك جعل الجار منهم أحق بالشفعة لأجل الصقب ، أي: القرب ولولا كلمة )أحق) لجعلها الحديث لمجرد الترغيب فلما وجدنا كلمة )أحق) علمنا أنه يعنى الجار من الصحابة أحق بشفعة عقار جاره فلا تعارض بينه وبين حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشفعة في ما لم يقسم ، فإذا حددت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة(

- وكذلك حديث الموطأ والصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمنع أحدكم جاره خشبةً يغرزها في جداره) ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم)
<1> فحمل ذلك أبو هريرة على التشريع. <2> وحمله مالك على معنى الترغيب. <…>

- وحديث رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع أنه قال: لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقا قال رافع: قلت: ما قال رسول الله فهو حق ، قال: دعاني رسول الله فقال: ( ما تصنعون بمحاقلكم؟) قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير ؟ فقال: (لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها) قال رافع: قلت: سمعا وطاعة.

فتأوله معظم العلماء على معنى أن رسول الله أمر أصحابه أن يواسى بعضهم بعضا ولذلك ترجم البخارى هذا الحديث بقوله: باب ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسى بعضهم بعضا فى الزراعة والثمرة.

10-                     وأما حال تعليم الحقائق العالية

فذلك مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أصحابه

أمثلته:
– ما روى أبو ذر قال : قال لى خليلي: )يا ذر أتبصر أُحُدا؟) قلت: نعم ، قال: (ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير)
فظن أبو ذر أن هذا أمر عام للأمة فجعل ينهى عن اكتناز المال ، وقد أنكر عليه عثمان رضى الله عنه

11-                     وأما حال التأديب

فينبغي إجادة النظر فيه لأن ذلك حال قد تحف به المبالغة لقصد التهديد فعلى الفقيه أن يميز ما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التشريع، وما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التوبيخ والتهديد ولكنه تشريع بالنوع أي بنوع أصل التأديب.

أمثلته:
– ذلك ما في الموطأ والصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (والذى نفسى بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف الى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذى نفسى بيده لو يعلم أحدهم انه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) .

فلا يشتبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليحرق بيوت المسلمين لأجل شهود صلاة العشاء فى الجماعة ولكن الكلام سيق مساق التهويل في التأديب  أو أن الله أطلعه على أن أولئك من المنافقين وأذن له بإتلافهم إن شاء.

- ومنه أيضا ما ورد في صحيح البخاري عن أبى شريح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن) فقلنا : ومن هو يا رسول الله؟ قال: (من لا يأمن جاره بوائقه)
فخرج الكلام مخرج التهويل لمن يسئ الى جاره حتى يخشى أن لا يكون من المؤمنين والمراد نفى الإيمان الكامل.

12-                     وأما حال التجرد عن الإرشاد

<الجبلة والعادة>

تعريفه:
ما يتعلق بغير ما فيه التشريع والتدين وتهذيب النفوس وانتظام الجماعة ولكنه أمر يرجع إلى العمل في الجبلة وفي دواعي الحياة المادية.
وأمره لا يشتبه فإن رسول الله يعمل في شؤونه البيتية ومعاشه الحيوي أعمالا لا قصد منها إلى التشريع ولا طلب متابعة. وقد تقرر في أصول الفقه أن ما كان جبليا من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون موضوعا لمطالبة الأمة بفعل مثله بل لكل أحد أن يسلك ما يليق بحاله

أمثلته:
– وهذا كصفات الطعام واللباس والاضطجاع والمشي والركوب ونحو ذلك سواء كان ذلك: (خارجا عن الأعمال الشرعية) كالمشي في الطريق والركوب في السفر ،أم كان (داخلا في الأمور الدينية) كالركوب على الناقة في الحج ومثل الهوي باليدين قبل الرجلين في السجود عند من رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهوى بيديه قبل رجليه حين أسن وبدن وهو قول أبي حنيفة.

- وكذلك ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في حجة الوداع بالمحصب الذى هو خيف بنى كنانة ويقال له: الأبطح فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم هجع هجعة ثم انصرف بمن معه إلى مكة لطواف الوداع.
<1> فكان ابن عمر يلتزم النزول به في الحج ويراه من السنة ويفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<2> وفى البخاري عن عائشة أنها قالت: (ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه الى المدينة) تعنى : أنه مكان متسع يجتمع فيه الناس وبقولها قال ابن عباس ومالك بن أنس.

- وكذلك حديث الاضطجاع على الشق الأيمن بعد صلاة الفجر
– وفى حديث يوم بدر أن رسول الله سبق قريشا الى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به بالجيش فقال له الحباب بن المنذر : يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله : بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فإني أعرف غزارة مائة وكثرته فننزل ثم نغور ما عداها من القلب فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  لقد أشرت بالرأي

- وفى جامع العتبية في سماع ابن القاسم قال مالك : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الحوائط وهم يؤبرون النخل ويلقمونها فقال لهم: ما عليكم ألا تفعلوا. فترك الناس الإبار في ذلك العام فلم تطعم النخل فشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما أنا بشر فاعملوا بما يصلحكم <…>

< خاتمة وتنبيهات مهمة >

وبعد فلا بد للفقيه من استقراء الأحوال وتوسم القرائن الحافة بالتصرفات النبوية:

فمن قرائن التشريع: الاهتمام بإبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم الى العامة والحرص على العمل به والإعلام بالحكم وابرازه في صورة القضايا الكلية مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا لا وصية لوارث) وقوله: (إنما الولاء لمن أعتق (


ومن علامات عدم قصد التشريع
: عدم الحرص على تنفيذ الفعل مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الوفاة: (آتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده)

قال ابن عباس : فاختلفوا فقال بعضهم : حسبنا كتاب الله وقال بعضه : قدموا له يكتب لكم ولا ينبغي عند نبي تنازع فلما رأى اختلافهم قال: (دعوني فما أنا فيه خير)

واعلم <…> أنه يجب المصير الى اعتبار ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال فيما هو من عوارض أحوال الأمة صادرا مصدر التشريع ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.

وقد أجمع العلماء على الأخذ بخبر سعد بن أبى وقاص حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصى في ماله قال له: (الثلث والثلث كثير)
فجعلوا الوصية بالزائد على الثلث مردودة إلا أن يجيزها الوارثة ولم يحملوه محمل الإشارة والنصيحة مع ما قارنه مما يسمح بذلك وهو قوله: (إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)
فإنه مؤذن بالنظر الى حالة بسعد وورثته وشدة فقرهم ومع كونه جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين سعد خاصة ولم يفعل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رواه عنه غير سعد فكان للفقيه أن يجيز الوصية بأكثر من الثلث لمن كان ورثته أغنياء ولم يقل به أحد من أهل العلم أو لمن لم يكن له وارث وقد قال بذلك بعض أهل العلم فيما نقل ابن حزم في المحلى عن ابن مسعود وعبيدة السلماني وطائفة وهو قول شاذ.

________________

*  ما بين معكوفتين <> والعناويين الفرعية من إضافتي

ملاحظة

كيف تنتشر الخرافة من حيث لا نعلم؟

e67aa0f1bb

تنويه: هذي التدوينة عبارة عن جمعٍ لأفكار موجودة في كتاب (50 خرافة في علم النفس) لعدة مؤلفين من منشورات دار كلمات، ومن كتاب (المغالطات المنطقية) لعادل مصطفى، إضافة إلى بعض أفكاري وتصرفي في العبارة بشكل كامل ووضع أمثلة واقعية قدر الإمكان

مشكلة الخرافات أنها قد تحيط بنا ونحن لا نعلم، خاصة اليوم مع تعدد وسائل الإعلام سواء كانت على شكل معلومات أو نصائح ويزيد من الرغبة فيها كونها مجانية إلى حد كبير. وأقصد بـ(الخرافة) هنا: معلوماتٌ مشتهرٌ بين الناس صحتها مع أنها خاطئة كليا أو في أجزاء منها في أي حقل من العلوم.
أما عن السبب الباعث هذه الخرافات:
– فهي إما لتفسير ما لا يمكن تفسيره لحل بعض الإشكالات والخلاص منها،
– أو للتزييف المتعمد لتفكير الناس لمصلحة معينة،
– أو لضعف المناهج والآليات العلمية الصحيحة (يمكن الرجوع لنظريات فلسفة ومناهج العلوم في كتب متخصصة أو كتب الإحصاء كأحد محاولات الدقة العلمية في العلوم الطبيعية والإنسانية كما يمكن الاستفادة من منهج علماء المسلمين في نقد الأخبار)
لذلك قد يقع العلماء كما غيرهم فريسة للخرافة! ومعرفة طرائق انتشارها مفتاح الخلاص منها

  • ما تكرر تقرر
    إن شيوع العبارة لا يعني صحتها.. هذه العبارة التي قد تبدو مسلمة نقع ضحية عدم الالتزام بها، حيث إنك قد تسمع خبرا أو رأيا في أحد القنوات فلا تعبأ به، ثم لما تسمعه في قنوات أخرى أو جرائدَ مختلفةٍ قد يثير هذا الأمر الشك عندك، وهكذا لو كانت هناك معلومة خاطئة ثم تناقلها الناس بشكل أو بآخر يصبح ذيوعها علامة على صحتها قبل أن نتحقق من ذلك. (وهذا ما يسمى بسلطة الجمهور)
  • حلول (تيك أوي)
    هكذا نرغب بأسرع الحلول وأفضلها: تكلم الإنجليزي في أسبوع، رجيم في شهر تفقد كل شحومك… إلخ عادة إذا كانت الكذبة قوية نصدقها! كيف ذلك: لو كنت أستاذا واعتذر لك طالب عن عدم حضور الامتحان بسبب زحمة في الطريق لأجل حادث مروري= لما صدقته أول الأمر. لكن لو اعتذر لك نفس الطالب بسبب موت والده= لتعاطفت معه على الفور!
    فالحلول الكبيرة والسريعة ليست معيارا للصدق بل قد تكون معيارا لعدم المعقولية والكذب في أحيان كثيرة
  • الذاكرة الانتقائية (مهم جدا)
    سأبدأ بمثالين لتوضيح الفكرة
    (1) تكلم شخص عند مرضى بالسلطان عن دواء له ثم بعد شهر جاءه أحد الحاضرين قائلا على الملأ أنه تم شفاؤه تماما.
    (2) في تجمع حول أحد الأضرحة الشريفة سمع أحد قول القائل: اللهم لك الحمد أن استجبت لي ورزقتني بمولود بعد أن كنت عقيما حين دعوت في هذا المكان المبارك.
    في المثال الأول: بالرغم من أن إعلان الدواء كان بين عدة مرضى، إلا أنه لم يصرح بالشفاء إلى شخص واحد ولم يتبادر إلى أذهاننا وماذا حصل للبقية: هل أخذ غيره العلاج ولم يشف؟ أليس من الممكن أن يكون شفاؤه بسبب آخر غير هذا الذي اقترحه الرجل؟
    وفي المثال الثاني: نفس الفكرة.. نجد أنه رجل واحد فقط بين ألوف تزور يوميا قد استجيب له. ولم نسأل: وماذا حصل للبقية؟ أوليس من الممكن أن تكون الإجابة لسبب آخر كالإصرار والإخلاص وما إلى ذلك؟
    إننا نحب الإثارة: لا نحب أن نقول دعا أحدهم عند القبر فلم يحصل شيء، أو جرب أحدهم العلاج الفلاني ثم لا شيء!! لذلك ننتقي الإثارة ونهمل الأحداث التي نراها تافهة (هذا أكثر ما يحدث عند مفسري الأحلام يخطئون ألف مرة ولا أحد يلتفت لهم وإذا أصابوا مرة طار الناس بهم)
  • الارتباط لا يعني السببية
    أو لنقل البَعدية لا تقتضي السببية.. إذا كان هناك حدث (أ) وبعده جاء حدث (ب) فإن هناك ثلاثة تفسيرات:
    – إما أن يكون (أ) سببا في وجود (ب)،
    – أو يكون هناك سبب أخر رئيس (ج) هو الذي أوجد (أ) و(ب) ووجود (أ) ليس إلا عرضيا
    – وإما أن يكون وجود (أ) ليس له علاقة أصلا بـ(ب) فقط محض صدفة
    من الأمثلة الطريفة على ذلك: أن بائع آيسكريم لاحظ أن شراء الناس للملابس الطويلة سبب في عدم شرائهم الآيسكريم مع أن السبب الأساس هو أنه في فصل الشتاء يشعرون بالبرد فيشترون الملابس الطويلة ويتركون الآيسكريم!
  • الغموض وعدم القدرة على إثبات العكس
    يحكى أن رجلا أراد أن يحرج جحا فقال له: كم عدد شعرات رأسك؟ فأجاب جحا فورا: (ثلاث مئة ألف وخمس وخمسون! وإن لم تصدق فتأكد بنفسك!!). هكذا أصبح جحا منتصرا لا لكونه مصيبا بل لأن لا أحد يستطيع أن يثبت عكس قوله. فقد يحدث أن يتنبأ شخص بالمستقبل أو يشيع تفسيرا لحدث ماض (كوجود الموساد في قضية ما) إن ما يعطيه قوة ليس صواب قوله وإنما فقط أن لا أحد يستطيع إثبات العكس وهكذا نقع في الفخ.
  • أثبتت الدراسات وقال العلماء
    غالبا نجد هذه الجملة قبل كل كذبة!.. لكن هل بالفعل هناك تجربة علمية معتمدة؟ وهل هي قديمة أو حديثة؟ هل هناك مصدر لهذه التجربة أو لذلك القول؟ قد يكون كل ما في الأمر أنه دعاية أو كذبة؟ هذه من الأسئلة التي قل من يلتفت إليها ملتقي الإشاعات وناشري الخرافات.
    ومن ناحية أخري: هل كل قول لعالم يعطيه مصداقية؟ قد لا يكون العالم متخصصا في هذا المجال! وقد يكون قوله معارضا بقول عالم آخر! (وهذه هي سلطة العالم)
  • عدة حقائق بينهم كذبة (مهم)
    إذا كان بعض الكهنة والدجالين يصدق مرة ويكذب ألف مرة فيصدقه الناس لصدقه مرة فما بالك بمن يمرر الكذبة بين عدة معلومات صحيحة؟ إننا حين نجد عدد من المعلومات الصحيحة فإن ذلك يعطينا انطباعا بأن كل ما يقال بعد ذلك أيضا صحيح. في بعض الأحيان نجد شخصا يتكلم عن موضوع ما فيبدأ بإحصاءات دقيقة وصحيحة ليجذب الانتباه ويطمئن المستمع ثم بعد ذلك يبدأ في تمرير ما ليس علميا لكن لن يشك أحد في صدقه بعد الآن!
  • نصف الحقيقة أخطر من عدمها
    إن الجهل أحيانا أفضل من معلومة مغلوطة أو غير مكتملة.. إن الأفلام تعتمد الإثارة في عرض بعض الأمراض النفسية مثلا، فيعرض الفيلم أحد صور هذا المرض لكنه لا يلفت الانتباه إلى أنه ليس كل صور المرضى بهذه الشكل!
    وأحيانا نجد الذين يدافعون عن أيدولوجياتهم وأفكارهم يشيعون على نصف حقيقة. فمثلا لو سألتني عن الدول العادلة فتكلمت عن الدولة الأموية ومثلت بعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، فإن الرسالة التي أوصلتها مفادها أن كل خلفاء الدولة كانوا مثله!! إن البحث عن الحقائق على صورتها الكاملة أمر متعب لأن الحقائق أحيانا تكون مرة؛ لذا نأخذ النصف الذي نريد لأنه يعجبنا ونغض الطرف عما سواه.
    المشكلة هنا أن المعلومة صحيحة لكنها ناقصة نقصا يؤثر في تشويه الأحقيقة!

هذا موجز لبعض الأفكار أتمنى يكون أعجبك ويكون مفيد في عدم الوقوع في فخ أي خرافة.. وبالتوفيق ^_^

معرض الوسوم

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.