كُناشٌ.. يجمع خربشاتي

image

 

الكتاب مليء بالفوائد الفقهية والأصولية والقواعد لكن اخترت بعض الطرائف والغرائب وحرصت على أن تكون قصيرة

الاقتباسات:

-اختلافهم في جواز بيع لبن الآدمية إذا حلب، فمالك والشافعي يجوزانه وأبو حنيفة لا يجوزه لأن لحم الآدمي محرم أكله والأصل عنده أن الألبان تابعة للحوم
-فأما من أراد الكلب لأكله فمن أجاز أكله أجاز بيعه!
-والأظهر أن ما لا يتفق على صحته من حديث أنه ليس يجب العمل به
-قال مالك يعق عن الذكر والأنثى بشاة
-واختلفوا هل تجوز التضحية عن شخص دون إذنه. قيل بالفرق فيجوز إن كان (صديقا) أو ولدا. :)
-وروي عن بلال أنه ضحى بديك!
-اتفقوا على أن النساء مباح لهن الغزو
-هل تجوز المهادنة؟فإن قوما أجازوها من غير سبب إذا رأى ذلك الإمام مصلحة
-(من مات ولم يقض صومه) فمن رأى أن الأصول تعارضه؛فكما لايصلي أحد عن أحد كذلك لايصوم أحد عن أحد. قال:لاصيام على الولي
-عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ثم تبين له أن الهلال مرئي:فله أن يعقد الصوم ويجزيه ★
-واختلفوا هل تجوز زكاة الفطر لأهل الذمة قال أبو حنيفة تجوز لهم
-قال أبوحنيفة:لايجوز غسل الرجل زوجته الميتةلأنه يشبه الموت بالطلاق فإن ماتت إحدى الأختين حل نكاح الأخرى :(
-قال قوم الأصل في الأوامر الندب حتى يدل دليل على الوجوب
-قال مالك وجماعة:التسبح في الصلاة للرجال والنساء والحديث في ذم التصفيق في الصلاة
-اتفقوا على أنت تارك السنن المتكررة(المؤكدة) بالجملة=آثم.مثل لوترك إنسان الوتر وركعتي الفجر دائما
-أن القصر لايجوز إلا للخائف وهو قول شاذ عن عائشة
-وشذ أبوثور والطبري فأجازا إمامةالمرأةلحديث أم ورقة
-إلا مالكا فإنه قال إذا صلت مكشوفة(رأسها) فإنه قال: تعيد في الوقت فقط
-حكم الإقامة:عند فقهاءالأمصار سنة مؤكدةأكثر من الأذان
-يلجأ الفقيه إلى أن يقول عبادة(ليس للحكم علة) إذا ضاق عليه المسلك مع الخصم. وهذا واضح في أكثر المواضع
-اختلافهم هل الأمر الوارد لعلةمعقولة:قرينة على الندب؟
-المجاز إذا كثر استعماله كان أدل منه على الحقيقة
-والمسألة اجتهادية محضة يعسر أن يوجد فيها ترجيح
-وذهب جدي إلى ان حديث ولوغ الكلب معقول المعنى لأن الكلب يتوقع أن يكون مصابا بداء الكلب فيخاف من سمه وعدد السبعة قد استعمل شرعا في العلاج
-(إذا ماتت امرأة اجنبية بين رجال وليس ثمت مرأة     تغسلها) رأى مالك أن ييمم الرجل المرأة في يدها ووجهها لكون ذلك منها ليس بعورة
-أما تارك الصلاة عمدا فذهب الظاهرية أنه لايقضي ويأثم
-والكوفيون على أنه يبني إذا أحدث فلايعيد الصلاة من أولها

من أول الكتاب إلى بداية البيوع (ثلثي الكتاب)

 

****

التعريف بالكتاب: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأحد أهم العقول الإسلامية: وهو القاضي #ابن_رشد الحفيد (595ه) سمي الحفيد للتفريق بينه وبين جده..
كان فقيها مالكيا غير متعصب للمذهب، وطبيبا، وفيلسوفا حيث اعتنى بنتاج #أرسطو واستفادت منه أروبا استفادة عظمى
هذا #الكتاب في علم #الفقه وهو فقه مقارن بين المذاهب

ميزة الكتاب
-سلاسة العبارة وجمال الأسلوب
-تقسيمه للمسائل بشكل جميل
-وأهم ميزة أنه يذكر سبب الخلاف ويربط كثيرا بعلم #أصول_الفقه
-يعتبر حجمه جدا مناسب خاصة أنه يذكر أصول المسائل لا جميعها

تجد في الكتاب:
-المؤلف يرجح أحيانا ويتوقف أحيانا وقد يذكر رأيا جديدا في المسألة
-عادة يذكر رأي #الأحناف وا #لمالكية و #الشافعية و #الظاهرية.. ويضيف لها أحيانا مذهب أبي ثور والثوري و #ابن_حنبل.. ولا يذكر #الشيعة وإنما يقول وقال قوم

·         حده (تعريفه): علم بالقواعد المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة لمعرفة أحكام جزئياته (أي الكلام وليس الكلمة)
تعريف آخر: العلم بالقواعد التي يعرف بها أحكام أواخر الكلمات العربية في حال تركيبها

·         موضوع النحو: الكلمات العربية من حيث أحكام أواخرها / أجزاء كلام العرب

·         واضعه: أبو الأسود الدؤلي بمشورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه

·         نسبته: هو من علوم أهم اللغة العربية
الفرق بينه وبين الصرف: النحو لابد من وجود جملة حتى نحكم على الكلمة، الصرف يتكلم عن الكلمات مجردة من الجملة
النحو يهتم بأواخر الكلمة، والصرف يعتني ببنية الكلمة نفسها

·         استمداده: كلام الله تعالى، لغة العرب الأقحاح (في زمن الاحتجاج باللغة)، أما السنة فلم يعتمد عليها النحويون كثيرا لأن المحدثين قد يروون الحديث بالمعنى.

·         فضله: من أهم العلوم وهذا لعظم فائدته

·         حكم تعلمه: قرض عين على المجتهد في الفقه، وعلى المفسر لكتاب الله تعالى.. وفرض كفاية على الأمة.

·         اسمه : النحو (قيل لأن عليا قال لأبي الأسود: انح هذا النحو يا أبا الأسود.. وللنحو عدة معان في اللغة منها الاتجاه والمثل)، ويسمى القواعد

·         فائدته: سلامة اللسان من الخطأ في القول وفي الكتابة، فهم كتاب الله وسنة رسوله

. مسائله : أبواب هذا العلم

 

قيل: النحو بابه من حديد وجداره من قصب

الفلسفة التداولية المتعالية

1.- تحويل الفلسفة

1.1- دلالة تحويل الفلسفة.

جاء عمل ك.أ. أبل الرئيسي المؤلف من جملة مقالات حاملا لعنوان كبيرةٌ دعواه فيه إنه: “تحويل الفلسفة”. فيكون هذا العنوان إذن راسما لدعوى برنامج يحدد الفلسفة تحديدا جديدا برنامجا يؤدي إلى تصور للفلسفة سيسمى لاحقا الفلسفة التداولية المتعالية. واسم هذا التصور الذي طوره أبل يجعلنا نفترض مباشرة أن الأمر يتعلق بتأليف بين الفلسفة المتعالية (كنط) والفلسفة التداولية (بيرس). ويمكن القول بتحليل أدق إن هذا التحديد الجديد يبين أن الأمر يتعلق بتأليف بين أربعة مواقف فلسفية على الأقل:

1-الفلسفة المتعالية التقليدية

2-فلسفة اللغة الحديثة

3-الفلسفة التداولية

4-الفلسفة التأويلية.

والإحالة إلى هذه المنابع الأربعة للتداولية المتعالية لا يكفي مع ذلك لكي نحيط بخلفيات هذه الفلسفة الفلسفية. فلا بد لنا من الإشارة كذلك إلى الارتباط بسنَّة مدرسة فرنكفورت الفلسفية. ومن الطبيعي أن يكون الكلام على وجود صلة بين النظرية النقدية لقدامى (مدرسة) فرنكفورت وفلسفة أبل ذا إشكال ليس بالقليل. لكنه بوسعنا أن نجزم بوجود قرابة بين ممثلي الجيل الثاني من مدرسة فرنكفورت على سبيل المثال بين أبل وهابرماس. وهذه القرابة تتبين من نظرتيهما إلى الفلسفة نظرتيهما ذاتي التشابه الكبير ومن خياريهما لطرح المشكل الفلسفي. وهو ما يسمح لنا أن نسلم بوجود نموذج فلسفي مصدره (مدرسة) فرنكفورت.

إن دعوى أبل الأساسية تهدف جوهريا إلى تحويل الفلسفة المتعالية التقليدية بما تقتضيه وضعية المنعرج اللساني لفلسفة القرن العشرين:” وأقصد ب”تحويل الفلسفة” تحويل الفلسفة المتعالية التقليدية بمعنى جعلها فلسفة تداولية لسانية متعالية أو علم الرموز  [1] Semiotik . ذلك هو برنامجي الحالي” (أبل 1986 ص.2). إن برنامج “تحويل الفلسفة” يتوجه في المقام الأول إلى فكرة إعادة بناء الفلسفة المتعالية التقليدية. فأبل يريد أن يحافظ على طرح السؤال المتعالي المعروف منذ كنط ولكن على شكل محوَّل أيضا في الفلسفة ذات التوجه اللغوي. فهو يتكلم على ضرورة استئناف إشكالية الفلسفة المتعالية بمفاهيم اللغة ويرى في ذلك سبلا ممكنة لتحقيق هذا البرنامج:

1-فالسبيل الأولى تكون بواسطة علم الرمز التداولي الذي  حدده ش.س. بيرس. فبيرس أدخل مصطلح “التداول اللساني” في الفلسفة ووصله بالطلب المتعالي لشروط إمكان المعرفة وصحتها. (ص.98).

2-والسبيل الثانية تبين علم المنطق النحوي الدلالي الذي طوره كارناب والذي يقبل علم رمز مثلث الأبعاد.

3-والسبيل الثالثة تتفرع عن تحليل اللغة عند فتجنشتاين (في فكره) المتأخر وما يسمى ب”فلسفة اللغة العادية”.

ويرى أبل الطابع التداولي المتعالي لهذا التحليل اللغوي:” من جهة أولى في مفروضات تشاجن استعمالات اللغة التواصلية مع الفاعليات (الحية) في سياق وضعية (فعلية) ومن جهة ثانية في ما يشبه الوظائف المتعالية “لألعاب[2] اللغة” من حيث هي شرط إمكان وصلوحية تتقاسمها الذوات لتعيين الموضوع (المرجع) ولتأويل العالم تأويلا حمليا” (أبل 1974 ص. 83). ومن الطبيعي أن نسأل كذلك عن نظرية فتجنشتاين في الألعاب المتعالية لعمل اللغة هل تسمح بما يمكن من تقويم ما هو مناسب لألعاب لغوية أخرى وعندئذ سيكون من الواجب بناء سلم من ألعاب لغوية أخرى ممكنة.

4-والسبيل الرابعة ينبغي أن تشير إلى تطور فلسفة اللغة الحديثة. فيمكننا بالاستناد إلى مبدأي النحو التحويلي الذي طوره ن. تشومسكي أن نميز القدرة التواصلية (التداولية الكلية) من القدرة اللسانية. ومن كبير الدلالة هنا كذلك نظرية أفعال الكلام لأستن وسيرل (راجع أبل 1974 ص. 82-84).

وقد اتبع أبل السبيل الأولى أساسا في محاولته تحديد الفلسفة تحديدا جديدا. أما السبل الثلاث الأخرى فأكثر ما استخدمها كان لمساندة صحة موقفه الفلسفي. وهذا التسليم يمكنني من تركيز الاهتمام في إعادة صياغة الفلسفة التداولية المتعالية على خط كنط-بيرس-أبل. وهدفي أن أبين أن تصور أبل للتداولية المتعالية ليس هو متعلقا بتوفيقية بين مواقف فلسفية فحسب بل هو بالأحرى تأليف حصيلته هي نظرة جديدة للفلسفة.

2.1-دلالة الفلسفة المتعالية عند أبل.

1.2.1-الفلسفة المتعالية التقليدية[3].

إن الهيئة التقليدية لأي فلسفة متعالية تبين لنا صورة الفلسفة التي أنتجها     إ. كنط أعني صورة التفلسف التي وضعها (في نقد العقل الخالص). فكنط يقدم تصور المعرفة المتعالية كما يلي: ” أسمى معرفة متعالية المعرفة التي لا تنشغل بالموضوعات بل بتصوراتنا القبلية للموضوعات عامة” (كنط نقد العقل الخالص أ 11 وما يليها). ويتضمن هذا التعريف علامتين أساسيتين من علامات الفلسفة المتعالية:

فأما العلامة الأولى فتبين أن الفلسفة المتعالية “لا تنشغل بالموضوعات”. وهذا يعني أن الفلسفة المتعالية ليست عنده منشغلة بالبحث في الواقع ومن ثم فهي ليست (ص. 99) علما من بين العلوم إذا أردنا أن نفيد بالعلم بحثا في موضوعات المعرفة أي بحثا في الواقع الموضوعي. فيكون على الفلسفة المتعالية أن تكون ضربا آخر من الفكر.

وأما العلامة الثانية فتتبين بوضوح في هذه الصياغة: “بل بتصوراتنا القبلية للموضوعات عامة”. وهذا ينبغي الا يعني فقط أن الفلسفة المتعالية لها موضوعات بحث تخصها (مفاهيم الموضوعات من حيث هي هي) بل هو يعني كذلك أن مفاهيم الموضوعات من حيث هي مفاهيم لا تحصل إلا بفضل تجربة الموضوعات مفاهيم موجودة بصورة عامة. وعندئذ فالفلسفة تكون باحثة في هذا النوع من “المفاهيم القبلية”. فيكون على الفلسفة المتعالية أن تشرع في إثبات وجود هذه المفاهيم للموضوعات القائمة وجودها القبلي أيا كان نوعها حتى تعلل شرعية ذاتها من حيث هي نوع خاص من الفكر. ويكون عليها من حيث هي نظرية معرفة أن تبين أنها لا تتوجه إلى الموضوعات مباشرة بل هي لا تتوجه إلا إلى المفاهيم التي لنا عنها قبليا. وما هي بالتالي إلا نظرية لتحديد مفهوم الموضوع.
ولا يمكن لمثل هذا التحديد للفلسفة المتعالية أن يضع الحد الفاصل بين الفلسفة والفكر المفهومي أعني الفكر النظري عامة. فبمقتضاه يكون على الفلسفة أن تجيب عن السؤال التالي: كيف يمكن للمفاهيم التي نملكها بمعزل عن كل تجربة أن تكون صالحة للمطابقة مع موضوعات التجربة؟  وقد حاول كنط في برنامجه أن يثبت أن هذه المفاهيم هي شروط إمكان التجربة وشروط إمكان كل معرفة. وينتج من تعريف الفلسفة المتعالية أنها تبحث في الشروط القبلية لإمكان التجربة. وطبعا فينبغي هنا أن نكمل هذا الحد فنعين المقصود بشروط التجربة الممكنة. فالإمكانية تكون حاصلة إذا كانت التجربة ممكنة بمفروضات واقعية معينة مثل وجود عالم فعلي. لكن الفلسفة المتعالية كما أسلفنا لا تنشغل بالموضوعات وبالتالي فهي لا تبحث كذلك في المفروضات الواقعية (الطبيعية أو الواقعية). فالواقع من شروط التجربة سبق أن بحثت فيها الفلسفة منذ أرسطو مثل بحثه فيها بشكل يجلعها مسألة (الـ)ـعلل (التي تفسر) موضوعات تجربتنا الموجودة. وطلب مثل هذه الشروط من خاصيات الفلسفة كلها وفيها يتعين موقف الفلسفة الميتافيزيقي القديم الموقف الذي يعبر عن السؤال التالي: ما الأمر الذي تتقوم به الطبيعة (فوزيس) أي ما الذي يمثل أصل الطبيعة ؟ وقد اتخذ هذا السؤال المغرق في القدم خلال تطور الفكر العلمي شكل السؤال عن الترابط السببي في الطبيعة.

وقد حول كنط هذه المسألة الفلسفية فجعلها من مسائل فلسفة الوعي. ومن ثم فشروط إمكان التجربة والمعرفة شروط إمكانهما المطلوبة ينبغي ألا تكون إلا ذاتية أعني قائمة في الوعي ولا تكون شروطا فعلية (وقائعية). فالأمر يتعلق هنا ب”الشروط المتعالية” التي لا يمكن أن تجلِّيها إلا فلسفة متعالية. وهذه الشروط المتعالية للتجربة والمعرفة هي ذاتها معرفة ومن ثم فهي معرفة متعالية أي معرفةُ معرفةٍ وليست موضوعات معرفة. وما يؤدي دور موضوع المعرفة هنا هو المعرفة (ص. 100) ذاتها. فيكون المقصود بالمعرفة المتعالية معرفة تجعل ذاتها موضوعا للمعرفة أعني معرفة ذات بنية تفكُّرية.

ثم حدد كنط بعد ذلك هذه الشروط المتعالية فاعتبرها وظائف المعرفة. ولا تكون المعرفة ممكنة إلا على أساس هذه الوظائف عامة (والمقصود بالوظيفة هنا معرفة معينة تقع بواسطة قواعد معرفية تستخرج من مادة معطاة شيئا جديدا). وينبغي أن نثبت أن مفاهيم الموضوعات عامة مفاهيمها المطلوبة قبليا شروط للتجربة الممكنة. ومعنى ذلك أننا ينبغي أن نثبت أنها وظائف المعرفة. وإذا طابق مفهوم “المحمول الممكن” الموضوعات عامة فيمكننا القول إنه مفهوم المفهوم. فلا تكون الفلسفة المتعالية إلا ضروب المفهوم المختلفة. وعليها أن تبحث في هذه الضروب ومن ثم فهي نظرية “الذاتية العارفة” نظرية انجازات الذاتية التي هي من جهة أولى ضرورية للتجربة ضرورة مطلقة وهي من جهة ثانية مستقلة عن التجربة.

لقد أدخل كنط فصلا أساسيا (في الفكر الفلسفي وفي نظرية المعرفة) بين مادة المعرفة المعطاة وفعل تحويلها المفهومي من قبل الذات العارفة. ويستعمل (أصحاب الفلسفة المتعالية) وظائف المعرفة المتعالية لصوغ المعطى المتنوع أو مادة المعرفة حتى تنتج المعرفة التجريبية والتجربة عامة. وهكذا فالمشكل الأساسي في كل فلسفة متعالية يتمثل في السؤال عن الكيفية التي يمكن أن تقبل مثل هذه الوظائف المعرفية الإثبات وكيف يمكن تعليل شرعية صلوحيتها (صحتها). ذلك أننا عندما نبحث في انجازات ذات عارفة واحدة بواسطة التفكر الذاتي فإن تلك الانجازات لا تكون إلا إنجازات ذات واحدة متناهية ومن ثم فنحن نكون بإزاء الوقوع في تهمة الانطوائية وقوعنا أمام تهمة النفسانية (ومن تهمة النفسانية لا يمكن لفلسفة الوعي أن تتحرر تحررا مطلقا حتى لو اعتادت المصادرة على كونها علما صارما بمعنى الكلمة عند هوسرل). وذلك هو المشكل الرئيسي في كل فلسفة وعي.

وإذا قصدنا بهذه الفلسفة المنعرج (الذي توجه بمقتضاه الفكر الإنساني) إلى الوعي أعني إلى الذات (العارفة) فالسؤال الذي ينبغي الجواب عنه عندئذ  هو ما المقصود ب”الذات” (العارفة): هل هي الذاتية الفردية أم هي “وعيٌ ما بصورة عامة  (مطلقة)” ؟ ففي الحالة الأولى تعتبر أي فلسفة للوعي معرفةَ ذاتٍ فردية لذاتها معرفة تذكرنا بعلم النفس الاستبطاني. وفي الحالة الثانية يبدو إثبات مثل هذا الوعي عامة أمرا إشكاليا ذلك أنه ليس من واقعة تثبت في الواقع الفعلي وجود مثل هذا الوعي الموضوعي. وفي كل الأحوال فإن فلسفة الوعي لا بد لها في المحل الأول أن تعكس الذاتية الفردية ثم بعد ذلك عليها أن تثبت أن ما حصلته من الخصائص بمثل هذا التفكُّر يصلح لأن تتشارك فيه الذواتintersubjectiv .

ويرى أصحاب الفلسفة المتعالية أن حل هذا المشكل يكمن في إمكانية الكلام على ذات متعالية أي على “وعيٍ بصورة عامة أو وعي مطلق”. وبمقتضى نظرية كنط فإن كل المفاهيم المتعالية مترابطة أعني أنها تكون بنية “الوعي عامة”. ومن ثم فالبرهان على هذه البنية هو هدف البحث المتعالي. فتكون بنية المفهوم هذه التي تؤسس كل مفهوم عقلي (ص. 101)  للتجربة الممكنة أمرا يحرره تعليلُ شرعيةٍ متعالٍ لمفاهيم العقل الخالصة. فهذه البنية المفهومية هي في نظر كنط خطاطة فكرنا عن العالم. لكننا يمكن أن نواصل دائما فنسأل هل إن خطاطة فكرنا هذه تسمح بأي إمكانية أخرى كذلك ؟ ومعنى ذلك أنه علينا أن نثبت الصلوحية الموضوعية للمفاهيم المتعالية التي تنتسب إلى هذه الخطاطة.

ولتحقيق هذا الهدف يربط كنط بين تعليله شرعية طلب الصلوحية التي ينسبها إلى المفاهيم المتعالية في صلتها بالموضوعات ومسألة الكيفية التي تكون بها الموضوعات نفسها ممكنة. ذلك أنه إذا أخذنا الموضوعات من حيث هي أشياء في ذاتها مستقلة عن العقل فإنه ليس من الواضح كيف يمكن لمفهومات لم تستمد من التجربة الحاصلة عن تلك الأشياء أن تكون مع ذلك صالحة لها ؟ وهذه الصلوحية لا يمكن أن تكون مفهومة إلا إذا كانت المفاهيم ليست أمرا مضافا يعرض للموضوعات من خارجها بل المقصود كونها وجوها مقومة للموضوع ذاته. وإذن فذلك هو المعنى الكنطي ل”انقلاب كوبرنيكوس المشهور”  أعني المسلمة القائلة إن الموضوعات ينبغي أن تتبع معرفتنا (فتوجه بحكمها). وعلى أساس الانقلاب الكوبرنيكي يقوم التعليل المتعالي لشرعية (المفاهيم). فمحاولة إثبات صلوحية المفاهيم القبلية للموضوعات تكون ببيان أنها شرط إمكان الموضوعات ذاتها. فإذا لاءمت خطاطة الفكر (هذا الهدف) كانت في آن خطاطة عالم تجربتنا فتكون بهذا المعنى أمرا ليس له ما بعده (يمكن أن نتجاوزه إليه لنؤسسه عليه). فالشروط القبلية للتجربة الممكنة عامة هي في آن شروط إمكان موضوعات التجربة. ويعني ذلك أنه علينا أن نفهم أن المقصود بهذه الشروط وظائف المعرفة. فيكون تعليل كنط لشرعية المفاهيم عودة إلى وظائف المعرفة الذاتية. ويكون المقصود بالشروط الفعاليات التي يكون الموضوع مُنْتَجَهَا. ومن ثم فما يجعل الموضوعات ممكنة ليس هو مفهومات الموضوعات بل جاعلها هو أعمال العقل. وعلى هذا الأساس فإن تعليل شرعية المقولات ينبغي أن يعود إلى أعمال العقل.

علينا أن نعتبر هذه الأعمال العقلية ربطا لمتنوع المعطى (أو وصلا بين عناصره). والوظائف المتعالية هي وظائف التأليف. والتجربة وموضوعها يستندان إلى نفس هذه الوظائف التأليفية. وبالتالي فإن كنط يحاول تعليل شرعية التصورات تعليلا متعاليا ليثبت به:            
         

1- أن الوعي المتناهي يعمل في الحقيقة عمل التأليف (العقلي بين عناصر المعطى المتنوع)

 2-وأن وظائفه التأليفية هي أساس المعرفة التجريبية وهي في نفس الوقت تجعل موضوعات المعرفة عامة ممكنة.

والمبدأ الأساسي لتعليل الشرعية المتعالي هو الوحدة التأليفية لوعي الذات المتعالية بذاتها. وهذه الوحدة التأليفية لوعي الذات المتعالية بذاتها تمثل وحدة الحدس الذي بفضله يصبح الموضوع معطى والوحدة التأليفية هي أساس الحكم. وهذا التأليف يستند إلى وعي الذات المتعالية بذاتها أي إلى علة التصورات المتعلقة  بالـ”ـأنا” (راجع بتنر 1974 ص. 1528-1539).

ذلك هو الهندام الأساسي للفلسفة المتعالية التقليدية. ومن حيث هو كذلك فهو ذو دلالة كبرى لتحليلنا الموالي تحليلنا للدعاوى المتعلقة بصيغة مجددة للفلسفة المتعالية وذلك لأنه علينا هنا أن نجيب عن السؤال التالي: هل تحويل فلسفة كنط المتعالية يحافظ (ص.102) على أهم خصائصها المميزة ؟  والسؤال هو: هل يمكن أن يوجد إلى جانب المبادرة الكنطية صيغ أخرى من الفلسفة المتعالية[4] ؟

إن لأصحاب الفلسفة التداولية المتعالية هذا القدر من الاعجاب بالنوع الكنطي من الفلسفة المتعالية لما يجدون فيه من تميز جوهري يجعله يؤكد على اعتبار العقل عاملا مهما في العالم إضفاء معنى حقيقي على الوثوق فيه والاعتماد عليه. وإذن فالفلسفة المتعالية تمثل صيغة من صيغ العقلانية الفلسفية. والدافع الثاني للتوجه إلى فلسفة كنط المتعالية هو فكرة النقد التفكُّري للعقل حيث يكون العقل ذاته أهم أغراض العقل ويعتبر التفكر (المتعالي)  منهج التفلسف الخاص. والعلة الثالثة للرجوع إلى كنط يمكن أن نجدها في فكرة تأسيس الفلسفة تأسيسا حاسما وفي فكرة غاية التأسيس (فالفلسفة المتعالية تبين لنا نوعا خاصا من نهج التأسيس: التأسيس بالتفكر في شروط إمكان المعرفة والتجربة شروطه الضرورية والذاتية) (راجع كولمن 1987 ص. 84-88).

ملخص ما سبق: يتحدد الاهتمام بالفلسفة المتعالية في ثلاثة وجوه:

 أولها العقلانية الفلسفية

والثاني التفكر من حيث هو المنهج الرئيسي للتفلسف

والأخير هو رؤية في غاية التأسيس المتعالي.

إن العلامة الأساسية للفلسفة المتعالية هي الطرح المتعالي لمسألة شروط إمكان التجربة والمعرفة وكذلك الجواب الخاص في هذه المسألة بالاعتماد على وظائف المعرفة الذاتية بفضل تفكر متعال في هذه الوظائف. ومن ثم فلا بد هنا من إثارة  مسألة تامة الشرعية: هل يمكن للفلسفة المتعالية أن تتجاوز بدعاواها الحل الكنطي أعني هل يمكن للمسألة المتعالية أن تطرح خارج فلسفة الوعي وأن يكون جوابها جوابا ناجحا ؟

2.2.1-تحويل الفلسفة المتعالية التقليدية

وحتى يحول أبل الفلسفة المتعالية كان لا بد  ألا يبقى بناؤها بناء فلسفة متعالية لوعي الذات أي للمعرفة بل ينبغي أن يصبح بناء فلسفة متعالية لجماعة الحجاج (جماعة التواصل) أي للحجاج (التواصل). فأبل لا ييدو أبدا كمن يريد أن يكون ممثلا لفلسفة الوعي. لذلك فقصده ليس “معرفةَ وعيٍ” نظريةً بل معرفةُ جدال نظريةٌ من حيث هي جدال. وبدلا من أن يكون أبل ممثلا لذات وعي متعال يريد أن يكون ممثلا لذات مجادلة من حيث هي إما عضو في هذه الجماعة أو تلك الجماعة من الجماعات المجادلة.

وطبعا فأبل يعتقد من ناحية أولى أن: “كل نظرية علم فلسفية ينبغي أن تجيب عن المسألة التي طرحها كنط حول الشروط المتعالية لإمكانية العلم وصحته” (أبل 1973 ص.220). لكنه لا يعني أن الجواب عن المسألة التي طرحها كنط ينتهي ضرورة إلى فلسفة وعي متعال عامة ولا أن طلب شروط إمكان العلم وصحته شروطهما المتعالية يكون مطابقا لمسألة إمكانية استنباط نظريات في إطار نسق تبديهي يحتاج هو بدوره إلى التأسيس وأنه ينبغي بالتالي أن يرتد إلى دور منطقي وتسلسل مدبر لا متناه أو إلى وضع دجمائي للمبادئ الأخيرة كما  جاء صوغ ألبارت له في نقده لنهج التأسيس المتعالي (راجع نفسه).

فطرح السؤال المتعالي والتأسيس المتعالي بالتالي لا يؤديان حتما إلى بداهة الوعي (راجع نفسه ص.221) بل إن أبل نفسه لا يقبل مثل هذه البديهيات التي للوعي لأن بداهة الوعي بمعناها عند ديكارت وكنط وهوسرل لا تكفي لتأسيس الاعتراف بصحة المعرفة. وذلك على سبيل المثال لأن ما يسمى ببداهات الحدس (مثل بديهيات الهندسة الأقليدية-عند العقلانيين- وقضايا حدس الألوان-عند التحريبيين) لا يتحقق  الاعتراف بصحتها في الإدراك المشترك بين الذوات إلا عندما تصبح متصلة بقواعد تداولية دلالية في عمل لساني (راجع نفسه). لكن ذلك لا ينبغي أن يعني التخلي النهائي عن البداهة عامة. فطرح السؤال المتعالي وغاية التأسيس يمكن كذلك أن يؤديا إلى بداهة لسانية. وطرح السؤال المتعالي يمكن كذلك أن يكون طرحا يعمل بنجاح في فلسفة ذات توجه لساني عملَه  في فلسفة ذات توجه إلى فلسفة نظرية للوعي.

ففي فلسفة الوعي التقليدية تمثلت خاصبتها المميزة في كونها أهملت ما هو قبلي لسانيا. فنتج عن ذلك نوع من الانطوائية ومن ثم ضرورة البرهان على وجود عالم حقيقي (كما حصل على سبيل المثال عند ديكارت بواسطة أدلته على وجود الله) أو تعليق وجود العالم (كما فعل هوسرل). وإذن فمشكل الدليل على وجود العالم ينبغي حله بوصفه “شناعة الفلسفة” بمجرد أن نسلم بدعوى ما هو لساني قبلي فنخصص المعرفة بما يتفشى فيها من فاعلية لسانية ويتلاحم معها. وإذن فالأمر في كل فلسفة متعالية حديثة يتعلق حسب رأي أبل بالتفكر في معنى الحجاج. ومن ثم فعلينا أن نطلب ما هو أخير وما لا يقبل أن يكون له ما بعده وما هو بديهي. ولكن لا نطلبه هذه المرة بالنسبة إلى الوعي بل إلى الحجاج. وسيكون المطلوب (عند أبل) هو مفروضات الحجاج المتعالية مثلما طلب كنط مفروضات المعرفة المتعالية (راجع نفسه ص.222).

وكنط تكلم في هذا المضمار على “تأليف وعي الذات (بوعيها بذاتها وبوعيها بغيرها)” الذي يضع فيه الأنا نفسه في آن موضوعا لذاته وذاته المفكرة. أما في الفلسفة المتعالية الحديثة فإن الأنا ينبغي له أن يعتبر نفسه واحدا مع جماعة التواصل المتعالية (راجع نفسه). ولهذه الغاية لا بد لنا أن نجعل بيننا وبين الفلسفة المتعالية التقليدية إشكالية اللغة أي إشكالية التواصل. وهذه الوساطة يمكن أن تكون حسب أبل إما بالاستناد إلى تصور اللغة في فكر فتجنشتاين فكره المتأخر أو بالاستناد إلى (ص.104)  تحويل منطلق كنط المتعالي بنظرية الرمز نظريته التي وضعها بيرس. ففي هذه النظرية يعرف بيرس الذات العارفة بكونها “جماعة الباحثين دون تعيين”. وهكذا فنظرة فتجنشتاين لـ”ـعمل اللغة” مثلها مثل نظرية بيرس لـ”ـلجماعة” تقبل الفهم بأنها من جهة أولى تبقى محافظة على المسألة الوظيفية الأهم من مثالية كنط المتعالية. ففيها ما يناظر “التأليف المتعالي للوعي بالذات” وكذلك ما يناظر “المبدأ الأسمى للأحكام التأليفية” وفيها بالتالي ما يناظر شروط إمكان التجربة وشروط إمكان موضوع التجربة في آن. وفي ذلك يتحقق من ناحية ثانية حل وسط بين مثالية كنط المتعالية وضرب من الواقعية (راجع نفسه ص.224).

ويرى أبل أن النقص الرئيس في فلسفة كنط يتمثل في غياب التفكر في اللسان وفي القبلي اللساني. فقد أراد كنط أن يجعل صحة العلم الموضوعية مفهومة لدى كل وعي عامة ولهذه العلة عوض علم نفس المعرفة التجريبي عند لوك وهيوم بمنطق متعال للمعرفة.  فظل منهج البحث عنده متجها إلى النقطة الأهم أعني إلى وحدة الوعي في التأليف المتعالي لوعي الذات بذاتها [5]. لكن كنط غفل في مبادرة فلسفته المتعالية عما هو “قبلي في عمل اللغة”. ولذلك فإنه لم يكن بوسعه أن يتجاوز (فلسفة الوعي الـ) ـمثالية تجاوزا جذريا (راجع أبل 1974 ص.292-293). وإذن فأبل لا يتكلم في حالة كنط على مثالية الوعي فحسب بل وكذلك عن “واقعية الانفعال” (4. صنف “الخطأ المرجع”[6]).

فيكون كنط (حسب أبل) قد وصل بين نموذج مثالية الوعي الابستمولوجي ونموذج الواقعية الانفعالية نموذجيهما الابستمولوجيين. فكانت نتيجةُ ذلك القولَ المتناقض عن انفعال الوعي بشيء في ذاته غير قابل للمعرفة (راجع نفسه ص. 293). إن المشكلين الأهم في فلسفة كنط-الكلام على الشيء في ذاته غير القابل للمعرفة وتهمة الانطوائية-لا يقبلان الحل في رأي أبل إلا إذا جعلنا مرجعيتنا الطابع اللساني المتفشي في معرفتنا وتجربتنا. ولكي نصل إلى هذا الهدف يرى أبل ضرورة أن نستعيض عن الفلسفة المتعالية بفلسفة لغة تبحث في دور اللغة في المعرفة. (ص. 105).

3.2.1-فلسفة اللغة بوصفها فلسفة متعالية

إن كون نقد اللغة أو تحليل اللغة قد أصبح في منزلة منهجية هي منزلة الفلسفة الأولى مسالة لم يعد فيها نظر منذ أمد طويل. لذلك فهي لا تدور الآن إلا حول النقطة التالية: هل فلسفة اللغة يمكنها (بل) وينبغي لها أن تؤدي ألآن وظيفة الفلسفة المتعالية بمعناها عند كنط ؟ ووراء هذه المسألة يختفي المشكل القائل: هل ينبغي (لكل) فلسفة أولى أن تجيب ضرورة عن طرح السؤال المتعالي عامة؟ وهل تستطيع ذلك ؟  وحسب الخطة التي توخاها أبل لتحديد الفلسفة تحديدا جديدا فإن هذا المشكل يقبل الحل الإيجابي. فأبل ينطلق من التسليم بأن انشغال الفلسفة الحديثة بمسائل الوعي انشغالها المميز بها في القرن العشرين يحل بفضل ما تنشغل به من مسائل اللغة. وهذا الحل يمكن فعلا أن يفهم بصفته منعرجا لسانيا في الفكر الفلسفي. ولا يعني المنعرج اللساني في الفكر الفلسفي مجرد صيرورة اللغة موضوع الفكر الفلسفي الرئيسي فحسب لأن موضوعة اللغة لم تخل منها فلسفة الوعي كذلك بل هو يعني أن اللغة أصبحت بداية من هذا المنعرج كذلك وسيط الفلسفة (بالإضافة إلى كونها موضوعا لها).

ولذلك بالذات فإن فلسفة اللغة يمكنها أن تتقدم ليس بوصفها قد جعلت اللغة موضوعا لها من بين موضوعات المعرفة الممكنة الأخرى فحسب بل بوصفها تفكُّرا في شروط الإمكان اللسانية للمعرفة بديلا من نظرية المعرفة التقليدية. لكن أبل يسلم من جهة ثانية بأن إمكانية مثل هذا التفكر عامة تبقى مسألة فيها نظر. فالسؤال التالي يثار: هل فلسفة اللغة عامة تتفكَّر في اللغة ؟  ولهذه المسألة دلالة خارقة للعادة لأن التفكُّر هو أحد أهم علامات الفلسفة المتعالية. فالتفكر بوصفه منهجا يجعل الفكر ذاته موضوعا لذاته يعد عند أصحابُ فلسفة الوعي فكرَ الفكر و معرفةَ المعرفة و وعيَ الوعي. لكن مفهوم التفكر بعد منعرج التحليل اللغوي في الفلسفة قد يبدو غير قابل للتوفيق مع هذه النظرة الجديدة للفلسفة لأن الأمر لم يعد (مقصورا على) جعل الوعي موضوعا للمعرفة. فاللغة بالذات وبمعنى النماذج اللسانية صارت تشغل محل الوعي (في وظيفة التأسيس الفلسفي). ويبين لنا ذلك بوضوح خاصة نهجُ فتجنشتاين في الفكر نهجُه الذي جعل الأفكار التي تعتبرها فلسفة الوعي منتوج الفكر أي منتوج الوعي جعلها معادلةً للقضايا أي للغة. فينحصر السؤال في: هل مثل هذا القول (فكر) تفكري أم هو مجرد جعل اللغة موضوعا للنظر مثلها مثل أي موضوع آخر للتأمل النظري ؟  وتوجد هنا بصورة مبدئية إمكانيتان اثنتان مختلفتان:

1-         فلا يمكننا الكلام على اللغة إلا كلاما يتوسل النموذج النظري لـ”ـلغة الموضوع” و”اللغة ما بعد الموضوع”. ذلك أن اللغة الموضوع تكون في الفلسفة اللسانية موضوع نظر أعني على سبيل المثال اللغة العادية تكون موضوع “ما-بعد-لغة” هي لغة المنطق. وطبعا فلما كان منطق العلم الحديث لم يعد كلاما في الملكات النفسية لم يبق مشكل (ص. 106) وعي الذات بذاتها بالتالي من مباحثه ولم نعد بحاجة إلى التفكر في بنية الذات (العارفة). وفي هذا المستوى يتدخل نحو العلوم اللسانية المنطقي وعلم دلالتها. ولم تعد الذات المتعالية (مقصورة على) افتراض إمكانية العلم وصحته بل إن وظائف الذات المتعالية عوضها منطق علم اللسان. وهذا المنطق في متناول العلم دون حاجة إلى التفكر.

2-         وتوجد إمكانية ثانية هي جعل اللغة ذاتها موضوع معرفة إي إنه يوجد “ما بعد تواصل” من حيث هو قول على اللغة والقول. وهذا القول هو بمقتضى المبدأ قول تفكري لأنه لن يستعمل “ما-بعد-لغة” (للكلام على لغة موضوع) بل هو يحقق التواصل على التواصل بنفس المستوى اللغوي. إن “ما بعد التواصل” هذا من حيث هو “قدرة الإنسان على الكلام على كلامه في لغته” أعني من حيث هو “التواصل ذاته جاعلا من ذاته موضوعا للتواصل” سماه ي. هابرماس “خطابـاً”. ومن هنا تطورت نظرية التداول اللساني الكلية بوصفها نظريةَ فلسفةِ للخطاب (راجع هابرماس 1976 هابرماس 1973 وها برماس 1971 وكذلك شنادلباخ 1977 ص. 135-139).

وقد طور أبل في صلة مع تداولية هابرماس اللسانية الكلية صيغته الخاصة فجعلها تدولية لسانية متعالية قاصدا بها تحويلا للفلسفة المتعالية التقليدية إلى فلسفة اللغة. والفرق الحقيقي بين أبل وهابرماس يتمثل في عبارة “ما هو من الأمر سابقٌ دائما” أو تمام الماضي القبلي عند أبل أعني العبارة التي تحدد ضرورة التعالي لديه. فأبل يريد أن يبحث في المفروضات القبلية الضرورية والمعيارية التي يستند إليها الحجاج من حيث هو تفاهم (بين المتواصلين) المفروضات التي تجعل التفاهم ممكنا في المقام الأول. وهو مقتنع أنه بوسعنا أن نصل إلى هذه المفروضات المسبقة بفضل التفكُّر في استعمال اللغة الفعلي (راجع هابرماس 1976 ص.175).

وإذا أردنا أن نصوغ فلسفة لغة متعالية فنحن نحتاج حتما إلى الفرض المسبق الأساسي القائل إن جعل اللغة في هذه الفلسفة موضوعا تفكريا لذاتها أمر ممكن وإنه بوسعنا أن نتفكر في اللغة. ويتبع هذا الأمر كذلك نتائج هذه الفلسفة الموالية. فمثلا إذا كانت الفلسفة المتعالية التقليدية تبحث عن الحقائق البديهية بالتفكر أعني كل حقائق بديهية لكل وعي مفرد الحقائق التي تؤدي دورا ممتازا في التأسيس  فإن ما يسمى بالحقائق اللغوية البديهية ينبغي لها أن تشغل المنزلة التي كانت تشغلها حقائق الوعي البديهية (في الفلسفة المتعالية التقليدية). وهذه الحقائق اللغوية البديهية بمقتضى كونها معلومة للعموم ينبغي أن تعتبر نماذج لعمل اللسان في مفروضات صحة علم التجربة ومن ثم فهي ينبغي كذلك أن تصلح “سلطة أخيرة” لتأسيس فلسفي  أخير.

إن الفلسفة المتعالية التقليدية من حيث هي فلسفة وعي للتفكر المتعالي في شروط المعرفة كان بوسعها أن تتجرد عن اللسان. لكن المسألة المتعالية ينبغي لها الآن أن ترجع إلى اللسان. وعلينا أن ندخل في اعتبارنا شروط التواصل اللغوية لإمكان المعرفة التي لها صلوحية المعرفة المشتركة بين الذوات. وفي هذا المضمار يلاحظ أبل: ” أن مدار المنعرج في نقد المعرفة هذا المنعرج (الناقل) من كون النقد تحليلا للوعي إلى كونه تحليلا للسان يبدو كامنا في كون مشكل صحة المعرفة ذاته لم يعد مشكل البداهة أو اليقين لوعي منفرد بمعناه عند ديكارت كما أنه لم يعد (ص.107) مشكل الصحة الموضوعية (وبمقدار ما هي مشتركة بين الذوات) للوعي عامة بمعناه عند كنط بل ينبغي أن يعتبر بصورة أصلية وفي المقام الأول مشكل بناء الإجماع المشترك بين الذوات على أساس تفاهم لساني (حجاجي)” (أبل 1973 ص.312).

وعلى أساس ما سبقت الإشارة إليه من المفروضات الأساسية لإمكانية فلسفة لغة متعالية يرى أبل اتصالا ما بين نظرية المعرفة الحديثة وفلسفة القرن العشرين في اللغة. وهذا الاتصال يمثله حسب رأيه التفكر في شروط إمكان المعرفة وشروط إمكان صحتها. فاللغة هي اليوم موضوع التفكر المتعالي ووسيطه كما كان الوعي مووضعه ووسيطه سابقا (راجع نفسه).  وفضلا عن تصور التفكر وعن طرح السؤال المتعالي يتبين هذا الاتصال بين نظرية المعرفة الحديثة وفلسفة اللغة الحديثة كذلك في استئناف القول بنظرية البداهة في الحقيقة وهي نظرية وثيقة الارتباط بنظرية                 “الحقيقة- الإجماع”.

وهنا تعود من جديد المسألة التي سبقت الإشارة إليها: فهل اللغة تتفكرها فلسفة اللغة حقا ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فإنه يوجد اتصال بين فلسفة اللغة الحديثة والفلسفة المتعالية التقليدية. أما إذا كان الجواب بالنفي فإن كل بناء لفلسفة لغة متعالية يبقى معلقا “في الهواء”. وعلى سبيل الدليل غير المباشر لتفكرنا الذي له ما بعده تفكرنا في استعمال اللغة يصلح أن نستعمل تحليل مجرى تعلم اللغة ومجرى إصلاحه. فقدرتنا على تعلم اللغة وعلى إصلاح تعلمها تابع للقدرة على تفكرنا في استعمالنا للغة.

4.2.1- دلالة الفلسفة المتعالية عند أبل بالمقابل مع دلالتها عند هيدجر[7].

إن دعوى أبل بخصوص فلسفة لغة متعالية تشبه نظرة هيدجر للفلسفة. ويتبين هذا الشبه بوضوح عندما نقارن خاصة “ما هو من الأمر سابق الوجود دائما” بوصفه ماضا تاما قبليا أو “ما هو سابق في كل حالة” عند هيدجر في كتابه الوجود والزمان عندما نقارنه ببعد القبلي اللساني المتعالي عند أبل. فالفرق الحقيقي بين المفكرين لا يتمثل إلا في كون هيدحر لم يتكلم على “قبلي النطق” (اللوجوس) بمعنى “قبلي اللسان” بل هو لا يشير إلا إلى قبلية “واقع الحال Faktizitaet ” الذي يعني عالم الحياة والقصد بمفهوم “واقع الحال” ما يصدق عليه من المفروضات العرضية المسبقة التي هي “السابق من الأمر دائما” أو “سابق (الحصول) في كل حالة”. فيكون ما تقدم من كون الإنسان في العالم من حيث هو “إلقاء (الإنسان في العالم)” “واقع حال” هو عند هيدجر  ما يبين تبعيتنا للتاريخ. وليس القبلي النطقي (اللوجوسي) في رأي أبل إلا ما يطابق قبلية واقع الحال إذا قصدنا بالقبلي النطقي القبلي اللساني. ولكن فحتى نصل إلى هذا الفهم ينبغي تصور النطق (اللوجوس) أي العقل تصوره متحولا أي متعينا من حيث هو عقل ناطق (=متكلم) (أبل 1986 ص.4). (ص. 108) .

3.1-تحويل الفلسفة والمنعرج اللساني

1.3.1- فكرة الوصل بين الفلسفة المتعالية وفلسفة التحليل اللساني[8]

قدم أبل في تحويله الفلسفة دعوى الوصل بين نموذجين فلسفيين: نموذج الفلسفة المتعالية ونموذج فلسفة اللغة. وبهذا الجسر الواصل بينهما يرى أنه ستنتج نظرة جديدة للفلسفة من حيث هي “تداولية لسانية متعالية”. ويقصد أبل بذلك ما سبق أن بينته فكرة بيرس الرئيسية أعني أن ” المبدأ الأساسي للفلسفة المتعالية التقليدية فلسفة الوعي الخالص لا تكفي بصورة مبدئية أساسا لنظرية العلم مثلها في ذلك مثل التأسيس بعلم الرمز (الوسميات) لمنطق العلم المعتمد على التحليل اللساني” (أبل 1974 ص. 284) فكلتا الفلسفتين لا يمكنها ادعاء منزلة الفلسفة الأولى لأنه بوسعنا في الحالتين  أن نتكلم على خطأ استنتاجي ناتج عن التجريد (الخطأ التجريدي من حيث هو خطأ اختزالي). فالفلسفة المتعالية التقليدية تتجرد من مفروضات المعرفة اللسانية أي من مفروضات الفلسفة والعلم اللسانية. وفلسفة اللغة التقليدية تتجرد بالمقابل من شروط المعرفة الذاتية بحيث إنها لم تبق أي وضع لشيء من نوع الذات العارفة أي الذات المتكلمة. وإحدى نتائج المنعرج اللساني في الفلسفة هو أن الذات الناطقة باللغة نبعت من مجال الفلسفة. ولهذه العلة بالذات نحتاج الآن إلى تداولية لغوية متعالية تستطيع أن تحقق التأليف بين الفلسفة المتعالية التقليدية ومنطق العلم المستند إلى التحليل اللساني من دون أن تقع في أخطاء الاستنتاج الناتجة عن التجريد.

2.3.1- النموذج التقليدي لفلسفة اللغة[9].

يمكن لنا أن نميز في فلسفة اللغة أي في نموذج الفلسفة اللساني بين نموذجين فرعيين النموذج التقليدي والنموذج التداولي. والنموذج التقليدي لفلسفة اللغة يمكن أن يوصف كذلك بكونه النموذج ذا التوجه القضوي أو ذا التوجه نحو الدلالة والمرجع. وفيه يتعلق الأمر أساسا بوظائف القضايا الخبرية وبوظائف اللغة الخبرية. ومثل هذه التصورات تستند إلى نظرة تنسب إلى اللغة ثلاث وظائف أساسية:

1-وظيفة الرموز الخبرية بوصفها رموزا  Symbole

2-وظيفة الرموز التعبيرية بوصفها “أعراضا Symtome ” (ص. 19).

3-وظيفة الرموز التنبيهية أو الندائية بوصفها “منبهات” أو “نداءات” Singnale.

و هنا تعد الوظيفة الأولى وظيفة الخبر الوظيفة المركزية والأهم وهي وظيفة اللغة الأكثر مناسبة إلى الفلسفة. فالأمر يتعلق أساسا بوظائف اللغة الدلالية (بمعنى علم الدلالة الواقعي). لذلك فقد اعتبرت فلسفة اللغة كلها أحيانا بحثا في علم الدلالة. وطبعا فبوسعنا أن نسأل هنا: هل علينا أن ننظر إلى هذه الوظيفة الخبرية بوصفها ليست إلا وظيفة دلالية أم إنها كذلك وعلى سبيل المثال قابلة للتصور وظيفة تداولية للسان ؟ ويمكننا أن نقصد بالطابع التداولي لإحدى وظائف اللغة أنها عبارة عن علاقات التفاعل بين الأشخاص أي بين مستعملي اللغة. فاللغة ليس مقصورا دورُها على الخبر عما عليه الأشياء برموز لغوية بل هي كذلك خبر عن شيء ما لشخص ما (=إخبارُ زيد أو عمرو بكذا). فلا يمكن أن نستعمل الرموز اللغوية إلا في علاقة مع الأشخاص الذين هم في وضعية تمكنهم من فهم هذه الرموز من حيث هي تلك الرموز. و عندي أنه ينبغي بالتالي على كل بحث في علم الدلالة حول دلالة الرموز اللغوية ألا يجردها من تحددها بالوجه التداولي من وجوه الاستعمالات اللغوية.

وقد تكلم بوبر مثلا على فلسفة اللغة ذات التوجه القضوي فقال عنها في هذا المضمار إنها ذات وظائف تواصلية أي وظائف تداولية للغة دنيا. وبالمقابل مع ذلك فإنه ينسب إليها وظائف عليا من بينها وظيفة الخبر التي ينبغي تمييزها من جهة أولى عن وظيفة الوصف ومن جهة ثانية عن وظيفة الحجاج أو وظيفة النقد. فحسب بوبر ليس لوظيفة الحجاج أو النقد علاقة جوهرية بوظيفة التواصل لأن التواصل ينبغي أن يفهم بمعنى العبارات النفسية الاجتماعية المناسبة أو بمعنى المثيرات في حين أن وظيفة الحجاج مطابقة لبنى المنطق التفسيرية القابلة للصوغ الموضوعي بالمنطق الصوري أعني بالمنطق الذي يستنتج من قضايا العبارة المفسرة القضايا المخبرة عن موضوع التفسير  (راجع أبل 1986 أ ص.48). لذلك فبوبر يمثل الموقف القائل إن اللغة ليس لها إلا وظيفة رموز تواضعية وظيفة لغوية لتبليغ للمعلومات.

إن هذا النموذج ذا التوجه القضوي أي ذا التوجه الدلالي المرجعي استعملته فلسفة اللغة ضد كل تفكُّر لساني يحيل إلى الذات واعتادت أن تستثني من بحثها في اللغة كموضوع وظائفها التواصلية ووظائفها المعبرة عن الذات. لذلك فإن أبل قد أراد أن يأتي إلى نموذج جديد وموسع لفلسفة اللغة بواسطة “منعرج تداولي” (يسعى إليه). فالنموذج التقليدي لفلسفة اللغة يفصل بين الفلسفة بصفتها علم دلالة منطقي من جهة أولى وعلم التداول اللساني الذي هو بالأحرى من مجال الدراسة النفسيية من جهة ثانية.

إن فلسفة اللغة تؤكد على الفرق بين إشكالية المعنى وإشكالية الدلالة (أعني هنا المرجع) وحقيقة القضايا من جهة أولى وقوة الفاعلية الاجتماعية النفسية للعبارات في وضعيات التواصل من جهة ثانية. ومنطق الدلالة يستثني بالتجريد هذه القوة بوصفها أمرا ينتسب إلى علم النفس وذلك يعني في آن استثناء لكل قصدية وذاتية في اللسان. وبين أن هذا النموذج يمثل فكرة لايبنتس القديمة فكرته عن عرض أحوال الأشياء عرضها الخالص وتحويل الحقيقة الخالص إلى (ص. 110)  لغة الحساب:” لم تعد القضايا اللغوية هنا كما هي الحال في اللغة العادية عبارة عن قصود ومعان بل هي بصورة جذرية عبارة موضوعية عن دوال (=توابع) رياضية ” (أبل 1986 أ ص.52-53).

ومن مثل هذا التصور للغة كان انطلاق فتجنشتاين في مرحلة فكره الأولى فكان يفهم القضايا إما بوصفها دوال (=توابع) حقيقة لقضايا عنصرية أو هيئات اسمية تحاكي أحوال الوقائع.” ففتجنشتاين في مرحلة فكره الأولى لا يقصد بقضايا اللغة إلا ما يقصد بمفهوم مطابق لما يفترضه شكل اللغة الرياضي المنطقي وبمفهوم الإحالة إلى الموضوع وإلى ما عليه الوقائع. فتكون وظائف اللغة في الغاية بحسب هذا الافتراض متمثلة في صورة محاكية لعلاقات الموضوعات الخارجية (ما عليه الوقائع) على أساس نظام لعالم علاقات داخلية يتمظهر في شكل لغوي”(نفسه ص.53).

ونفس الأمر يصح حسب أبل على ر. كارناب وتأسيسه للنحو المنطقي ومنطق الدلالة بالنسبة إلى أنساق القضايا في اللغات الصناعية “المصورنة” بمعنى منطق العلم في منظور الوضعانية المنطقية. فكارناب يقصد بجعل اللغة موضوعا للفلسفة بصورة صريحة إشكاليةَ (بناء) اللغات الصناعية ومن ثم فهو قد اضطر إلى الفصل الحاد بين إشكالية لغات هذا البناء وإشكالية اسعمال مثل هذه اللغات الصناعية. وفي هذا المضمار يرى أبل أنه يوجد تلاق بين برنامج منطق اللغة ومنطق العلم عند أصحاب الوضعانية المنطقية وبرنامج علم الرموز (الوسميات) عند أصحاب الذرائعية الأمريكية أعني علم رموز تداولي ذا أبعاد ثلاثة يولد توالجا يُعلم بالإضافة إلى: 1-علم دلالة الرموز 2-وعلم نحوها 3-وعلم تداولها. وهكذا فالعلل التي جعلت أبل يحول الفلسفة تتمثل في “منعرج الفلسفة اللساني” وفي المنعرج المنتسب إلى (فلسفة) التحليل اللغوي. لكن أبل لا يقصد بالمنعرج اللساني منعرجا نحو فلسفة التحليل اللساني بل هو يريد أن يجد إشكالية متعالية في مستوى تحليل اللغة وذلك بواسطة “منعرج (لساني) تداولي”.

وقد نقد أبل منطق العلم التحليلي اللساني في ضوء فلسفته المتعالية وتكلم على نقد العلموية. وقد قابل في البداية بين كنط وفتجنشتاين في مرحلة فكرة المبكرة أي بين “خطأ التجريد” الذي تتميز به الفلسفة المتعالية التقليدية و “خطأ التجريد” الذي تتميز به فلسفة التحليل اللساني وبين أن كلتا الفلسفتين تقعان بنحو ما تحت تهمة العلموية. فكنط يضع أعمال الذات الصادرة عن  الحرية فيعتبرها الحد المتعالي للعالم القابل للتجربة لأن هذا العالم لا يوجد فيه إلا مجار طبيعية محددة تحديدا سببيا. كما أن فتجنشتاين يصف الذات العارفة والأعمال الخلقية بكونها حدود العالم القابل للوصف (العلمي). لكن علل علموية كنط وعلموية فتجنشتاين في فكره المبكر هذه تعود إلى صنفين مختلفين من الخطأ التجريدي. فكنط يهمل القبلي اللساني وبالتالي قبلي التفاهم  ولا يتفكر في مشكل التفاهم بين الذوات.

أما فتجنشتاين فإنه على العكس يسلم بالقبلي اللساني من حيث هو قبلي دلالي متعال لوصف العالم (وصفا علميا) لكنه لا يعترف بأي قبلي للتفاهم (بين الذوات). ويتمثل ذلك في كون فتجنشتاين كان سجين (ص. 111) علم لسان وجودي دلالي أو نظرة ترى أن كل ناطق باللغة حائز على نفس اللغة المثالية ومن ثم فهو لا يحتاج إلى أي تفاهم (بين المتخاطبين) على بنية اللغة. وتلك هي العلة في كون الذات العارفة لا يمكنها أن تحصل (موجودة) في العالم. فالذات هي الحد المتعالي للعالم. فوقع بذلك القضاء على البعد التداولي المتعالي للغة مع الذات العارفة في آن:” فإشكالية الذات التداولية المتعالية التي لتأويل اللغة ضمها فتجنشتاين (في فكره) المبكر من جهة أولى  إلى وظيفة علم الدلالة الوجودي المتعالي الذي للغة العلمية وهو قد أرجعها من جهة ثانية كذلك وبصورة صريحة من حيث هي نظرية معرفة إلى موضوعة من موضوعات علم النفس التجريبي” (أبل 1974 ص.308-309).

و قد استعمل أبل “التجريد اللامشروع”  الذي للمفروضات التداولية المتعالية للمعرفة التي تتوسط الرموز استعمله نقدا أساسيا ضد فلسفة التحليل اللساني التي نلاحظ وجودها في هذه الفلسفة (راجع أبل 1972 ص.93-102). ويقصد أبل أن التفكر التداولي المتعالي هو وحده القادر على جعل بُعد الذات من المعرفة المتوسلة للرموز موضوعا للمعرفة. وعلل التجريد اللامشروع لفلسفة التحليل اللساني هي العلل التالية:

1-ففلسفة التحليل اللساني تميز بين اللغة الموضوع واللغة ما بعد الموضوع.

2-وهي تتصور المعرفة ذات منزلتين من جنس ” س يفسر (يعلم) ص” وهي تعتبر المعرفة تفسيرا قانونيا استنتاجيا.

ويستعمل أبل الاعتراضات التي أوردناها سابقا بهدف إثبات أن فلسفة اللغة التحليلية ليست كافية لتكون فلسفة أولى محيطة ومن ثم لإثبات الحاجة إلى بيان فلسفة لغة متعالية جديدة. والخصائص الأساسية لمثل هذه الفلسفة يجدها أبل في فلسفة ش.س. بيرس الفيلسوف الذرائعي الأمريكي.  

3.3.1-ذرائعية بيرس بوصفها تحويلا (لفلسفة) كنط بعلم الرموز[10].

يتمثل فضل بيرس حسب أبل في أنه قد بين بخلاف منطق العلم الحديث أن شروط إمكان صحة المعرفة العلمية لا يكفي لتفسيرها الصوغ الصوري النظمي للنظريات والتحليل الدلالي للعلاقة الثنائية بين النظريات والوقائع  بل لا بد من اكتشاف أمر مشترك بين الذوات يكون نظيرا “لوحدة الوعي المتعالي” (الكنطية). وهذا بدوره لا يمكن اكتشافه إلا في البعد التداولي لتأويل الرموز (راجع أبل 1973 ص. 164). كما أن بيرس كان يرى أن المسألة المتعالية من حيث هي مستندة إلى فلسفة ذات توجه لساني مسألة وجيهة. وبهدف الجواب عن هذه المسألة فإنه قد أعد علم منطق “رمزي” (=وَسْمِي) (semiotische Wissenschaftslogik) مستند إلى قاعدة ذات ثلاث منازل.

إن علم الرمز من حيث هو نظرية رموز يصف اللغة علميا من حيث هي نظام رموز سمح لفلسفة اللغة في القرن العشرين (ص.112) بأن تجعل التواصل ومثله التفاعل موضوعا فلسفيا لأن التواصل من حيث هو تواصل بتوسط الرمز أصبح ذا صياغة تصورية وبالتالي فإنه بوسعنا أن نعتبر اللغة أداة تواصل. إن علم الرموز التقليدي المتقدم على تصوره التداولي يعني بالرموز تصورا ذا منزلتين. فالكلام كان فيه يدور حول العلاقات بين الرامز والمرموز (ما يسمى بالبعد الدلالي لرمزية الرمز). وطبعا لم يكن وجود للكلام عن ذات ما لرمزية الرمز ولا كذلك كلام على التواصل بين الذوات فيما بينها.

وفضل بيرس يتمثل في إدخاله تصورا لرمزية الرمز مثلث المنازل. فإلى جانب علاقة الدلالة بين الرمز والموضوع المرموز أضاف بيرس علاقة تداولية من حيث هي علاقة مؤوِّلة ومن ثم بعدا ذاتيا لرمزية الرمز. ثم طور علم دلالة مثلث العناصر يعتمد على رمزية ذات تأويل مثلث المنازل. وبالذات فرمزية الرمز تتقوم من مقومات ثلاثة هي: 1-الرمز 2-والمشار إليه به (أو موضوع الرمز أو مرجعه) 3-والذات (مؤوِّل الرمز). وهكذا فعلم الرموز يتضمن ثلاثة أبعاد:

1-             (علم) النحو أو العلم الذي يبحث في علاقات الرموز علاقاتها الصورية فيما بينها وهو منطق اللغة أو نحوها.

2-             (علم) الدلالة أو العلم الذي يبحث في العلاقات بين الرمز والموضوع وهو نظرية الإحالة إلى المرجع أو نظرية الدلالة.

3-           (علم) التداول أو العلم الذي يبحث في العلاقات بين الرموز ومؤوليها وهي علاقات تعتبر دراستها نظرية في أعمال (الرمز) والتواصل.

وهذا البعد الثالث بالذات هو الذي يسمح  لنا بأن نفهم علم الرمز بوصفه أساس الفلسفة وليس مجرد أساس لنظرية في اللغة من حيث هي لسانيات. وذلك بالذات لأن الجواب عن المسألة المتعالية لشروط إمكان المعرفة وشروط صحتها نجده في البعد التداولي لتأويل الرموز. وهكذا فمبادرة بيرس يمكن أن نفهمها بصفتها إعادة صوغ تحويلي لمنطق كنط المتعالي بعلم  الرمز. ويؤيد هذا الفهم واقعة أن الكثير من الكنطيين اعتادوا على اعتبار بيرس كنطيا محدثا ما دامت عمارة الفلسفة الكنطية أدت دور النموذج في فلسفة بيرس. وبيرس نفسه يعتبر منطقه في البحث العلمي المؤسس على التداولية الرمزية تحويلا لنقد العقل الكنطي. وبصورة خاصة فهو لم يصل إلى فكرتيه حول مفهوم “التداولي” و “قواعده التداولية” إلا بفضل التفكر في فلسفة كنط وبالذات في دلالة مفهوم “العملي” و”التداولي” عند كنط.

و بالمعيار الكنطي فقد طلب بيرس أشرف مسألة في “تعليل الشرعية المتعالي”. لكنه لم يحدد هذه المسألة الوحدة الموضوعية للفمهومات في “وعي الأنا”  أي ما يبدو آيلا إلى فلسفة الوعي حتما بل هو حددها بمعيار موقفه المستند إلى علم الرمز بالثبات الدلالي للتمثُّل الرمزي الموضوعات السليم والمشترك بين الذوات بواسطة البعد التداولي لتأويلها. فبيرس قد بحث عن وحدة الثبات الرمزية في “الرأي الأخير” ل”جماعة الباحثين دون تعيين”. وفي هذا الرأي الأخير تتلاقى في الغاية المسلمة الرمزية لوحدة تأويل متجاوزة الأفراد والمسلمة المنتسبة إلى منطق البحث العلمي (ص. 113) بالتحقق التجريبي للتجربة في ما يسميه “بمسار البحث المديد” (للبحث عن الحقيقة ما حصل منها  وما سيحصل لتكون هي ما يصل إليه إجماع جماعة الباحثين دون تعيين). وما يشبه الذات المتعالية لهذه الوحدة المفروضة هي جماعة التجريبيين اللامحدودة التي هي في آن جماعة التأويل اللامحدودة (راجع أبل 1973 ص. 173).

فخلال تفكره في مفروضات الحجاج المفيد (=ذي المعنى) ضمن جماعة التجريبيين من العلماء يحرر بيرس خاصية المنازل الثلاثة غير القابلة للرد إلى ما هو دون ذلك الخاصية التي تتميز بها علاقة الرموز والتي تضع أن (1) الرمز يرمز إلى (3) شيء (2) لمؤول. وكل بعد من هذه الأبعاد من علاقة الرمز يفترض متقدما عليه في أدائها لوظيفته العنصرين الآخرين. وكل تجريد يستثني أحد هذه المقومات من العلاقة الرمزية ينتج خطأ تجريديا غير مشروع نجده في الكثير من الفلسفات. وبالاستناد إلى ذلك بنى أبل تصنيفا واسعا لنزعات الاختزال التبسيطي الممكنة ليصنفها بمقتضى مواقفها الأساسية (راجع أبل 1974 ص.287).

1-التجريد الذي يستثني الواقع والرمز ويكتفي بمجرد جعل موضوع المعرفة موضوع بحث وهو يطلق على هذا الموقف الفلسفي اسم مثالية الوعي.

2-التجريد الذي يستثني الواقع ويجعل الرمز والذات موضوع بحث فيقدم لنا موقفا فلسفيا يطلق عليه اسم مثالية الرمز.

3-التجريبد الذي يجعل الواقع من دون الرمز ومن دون الذات موضوع بحث يميز ما يسمى بالمادية الواقعية.

4-تجريد الرمز وجعل الواقع والذات موضوع بحث هو علامة الواقعية الانفعالية.

5-التجريد الذي يجعل الواقع والرمز موضوع بحث دون إحالة إلى الذات هي مميز الواقعية الدلالية الوجودية.

6-وأخيرا يمكن لنا أن نصف التجريد الذي يجعل الرمز وحده موضوع بحث بكونه أفلاطونية ذات نموذج لساني.

لا يتصور كنط المعرفة إلا علاقة ثنائية بين الذات والموضوع. والشيء في ذاته التابع للوعي يؤثر في حواسنا. وكنط يستثني بالتجريد توسط الرمز في المعرفة.  وفي هذا التجريد تكمن علة نقاط الضعف في هذه الفلسفة أعني على سبيل المثال عدم قابلية الشيء في ذاته المبدئية للمعرفة وتهمة الانطوائية الممكنة دائما تجاه فلسفة مقصورة على الوعي. لذلك فهي فلسفة تمثل الصيغة الرابعة من نزعات الاختزال التبسيطي.

إن مثل هذا التصنيف للمواقف الفلسفية الأساسية يتضمن طبعا نظرة إلى الفلسفة تدخل في حسابها المقومات الثلاثة للعلاقة الرمزية. وصيغة الفلسفة هذه يكون عليها أن تمثل الاندفاعة التي تصورها أبل والتي تستند إلى تداولية بيرس. فبالمقارنة مع كنط توصل بيرس إلى التغييرات التالية بفضل التجلي الرمزي للفلسفة المتعالية أعني بفضل إدخال ثلاثية المنازل المعرفية مع أخذ القبليات اللسانية للمعرفة بعين الاعتبار: ففي المقام الأول تجنب بيرس الكلام على انفعال الوعي بشيء غير قابل للمعرفة (الشيء في ذاته الذي يقول به كنط). لم يعد بيرس يحدد الواقع بكونه الشيء غير القابل للعلم بل بكونه ما يقبل العلم خلال ” البحث ذي المسار المديد”.

والفرق الكنطي بين موضوع المعرفة وما يقبل العلم منه ليس هو عند بيرس الفرق بين ما لا يقبل العلم (ص. 114) وما يقبله بل هو بين ما يقبل العلم (بالقوة) والمعلوم الفعلي (راجع أبل 1974 ص.295-296). الواقع لم يعد شيئا مستقلا عن قابليته للتأويل. والتغيير المبدئي الموالي يتعلق بمسألة شروط الإمكان والصحة للإدراك التجريبي للتجربة. فكنط حاول حل هذه المسألة بواسطة فكرة “الانفعال الذاتي للأنا”.  لذلك فكنط ينطلق من حدوس خالصة وأعمال عقلية خالصة بصفتها “ما قبلـ”ـًا للتجربة أعني من “ما قبلـ”ـاً للوعي ولا يتكلم على “ما قبلٍ” لغوي متعال. أما بيرس فقد حاول أن يبين أن المفروضات المتعالية لعلم الطبيعة التجريبي تتضمن كذلك أن الباحث العلمي في الطبيعة يترجم بنحو ما مسألته النظرية إلى لغة الطبيعة (راجع نفسه ص.297-298).

إن الشروط القبلية لإمكان التجربة ولصحتها توجد في اللغة (وظائف اللغة) أكثر مما توجد في وظائف الوعي. وهذا التغيير يخص مسألة التفاهم (المشترك) بين الذوات كذلك التفاهم بين الباحثين علميا في الطبيعة داخل جماعة الباحثين المتواصلة.  فإذا سلمنا هنا بالقبلي اللساني فلن نحتاج بعد ذلك إلى الكلام على بداهة الوعي بمعنى “التأليف المتعالي للوعي بالذات” بل يمكننا الكلام على التفاهم حول المعاني اللغوية وبناء الإجماع في إطار جماعة تواصل. ويعني ذلك أن المبدأ الأصلي لتعليل الشرعية المتعالي لشروط إمكان المعرفة وصحتها لم يعد تصورا لـ”التأليف المتعالي للوعي بالذات” بصفته وحدة موضوع الوعي والوعي بالذات Aperception بل هو أصبح التأليف المتعالي ل”لرمز-المعنى-التأويل” وبناء الإجماع ضمن جماعة تأويل لا محدودة من الباحثين (راجع نفسه ص. 300-303).

ويعني ذلك بالمقابل تحويلا جذريا للوجه الذاتي من المعرفة. فبصفتها ذاتا متعالية ينبغي للجماعة التواصلية المثالية أن تقدم نفسها كذات متعالية تستطيع أن تضمن الصحة المشتركة (الاعتراف بقيمتها من حيث هي علم) بين الذوات صحة المعرفة ذات الوسيط الرمزي  من حيث هي عملية تأويل للرموز. أما التطوير الأوسع لعلم الرموز التداولي هذا فهو وثيق الصلة باسم موريس. فإلى موريس يعود الفضل في إدراج أفكار بيرس المتعلقة بنظرية الرمز إدراجها في مناقشات فلسفة التحليل اللغوي. إنه هو الذي استكمل البعد الرمزي الذي جعلته التجريبية المنطقية (كارناب) موضوع بحث في بناء اللغة أي في وظائف اللغة والعلاقات النحوية بين الرموز وعلاقة الدلالة بين الرمز والأشياء التي يرمز إليها بفضل البعد التداولي لتأويل الرموز في سياق وضعية الممارسة المنهجية. وفي هذا المضمار ميز موريس في علم الرموز بين ثلاثة فنون جزئية: 1-علم النحو 2-وعلم الدلالة 3-وعلم التداول (راجع أبل 1972 ص. 89). وقد حاول أن يؤلف بين التجريبية المنطقية وعلم الرمز الدلالي بمعناه عند بيرس لأنه كان مقتنعا بأن” التداولية والتجريبية المنطقية لهما خصائص مشتركة كثيرة وهما متكاملتان وأن تطويرهما الأوسع هو على نحو يجلعهما يلتقيان في الغاية” (موريس 1977 ص. 148). (ص.115).

لكن خطاطة موريس ذات الأبعاد الثلاثة لا يبدو بعد الاستعمال التواصلي للغة فيها متضمنا لصفته إدماجا تداوليا وتأسيسا تواصليا حقيقيين للقواعد النحوية والدلالية. والعلة في ذلك هي أن موريس كان يعتبر التفكر المتعالي للاستعمال التواصلي الفعلي للغة أمرا غير ممكن بحكم ما يطغى على السلوكية البراجماتية (التي كام من القائلين بها) من روح التجريبية المنطقية والاختزال التبسيطي. وإذن فموريس قد واصل تطوير مبادرة بيرس الرمزية دون نتائجها المتعالية. وبالتالي فهو قد أنتج صيغة مزدوجة من رمزية بيرس ذات الأبعاد الثلاثة: النحو والدلالة والتدوال وينبغي (عنده) أن تكون كلها تجريبية كونها صورية بنائية.
وحتى كارناب فإنه في البداية حصر هذا البرنامج المضاعف في علمي النحو والدلالة لكنه في الأخير قبل أن يصله بالتداول. وكارنات لا يتكلم مثل موريس على تعددية الفنون الرمزية التجريبية الثلاثة والصورية الثلاثة بل هو لا يقصد بالتداولية إلا مجرد فن تجريبي سلوكي مكمل لعلمي النحو والدلالة المنطقيين. وفي الحالتين فإن إمكانية الجواب عن مسألة شروط الإمكان المتعالية للمعرفة وللحجاج ولصحتهما على أساس البعد التداولي من علم الرموز إمكانية كان مآلها الزوال.

ويرى أبل تماثلا شبه دقيق بين صورة موريس وكارناب عن الأبعاد الثلاثة في علم الرمز وتقسيم بوبر لوظائف اللغة. والعلة في ذلك هي في الحقيقة أن هذه التصورات الثلاثة تعبر عن النموذج التقليدي لفلسفة اللغة النموذج الذي يحصر وظائف اللغة في وظيفة القضايا القادرة على عرض الحقيقة الخبري وعلى تمثلها. والتصورات الثلاثة كلها تجرد اللغة من البعد التواصلي للاستعمال اللغوي مع أن اللغة هي كذلك وسيط تواصلي وهي من ثم أمر تُعنى به الفلسفة وليست مقصورة على علم النفس. لذلك فإن مفهوم “التدولي” لا يؤدي في هذه النظرة لأبعاد الرمز الثلاثة إلا دور كلمة السر لبقايا المشاكل النفسية في علم الدلالة المنطقي وفي منطق العلم.

كل هذه التأملات-بالإضافة إلى واقعة أن بيرس هو بدوره قد نظر إلى الذات في العلاقة الرمزية من منظور علموي أساسا لأن جماعة العلماء تهتم بعملية البحث (انشغل بمسألة كيف نثبت القناعات تثبيتا علميا)-أدت أبل إلى النتيجة القائلة: إننا نحتاج في المقام الأول إلى أن نحدث “منعرجا تداوليا” داخل “المنعرج اللساني” ثم بعد ذلك “معرجا تأويليا” داخل “المنعرج التداولي” وعلينا أن نطبق المبادرة التداولية كذلك على العلوم الاجتماعية وعلى المسائل التأويلية حتى نؤسس هذه العلوم على مبدأ موثوق (=مضمون). والمنعرج الأول يحيل إلى المنعرج الذي عبر عنه فتجنشتاين في آخر مراحل فكره أعني  التوجه إلى الاستعمال اللغوي في فلسفة اللغة العادية إحالته إلى المنعرج الذي احدثه أوستين في نظرية أفعال اللغة التي هو مؤسسها. (ص.116).

4.3.1-الذات التي توول الرمز في علم الرمز التداولي[11]

استعاض بيرس عن تأليف الوعي المتعالي الذي للوعي بالذات عند كنط استعاض عنه بمسلمة القناعة الأخيرة التي يجمع عليها جماعة العلماء اللامحدودة بعد القيام بعملية بحث ذات امتداد من الزمان كاف (راجع أبل 1973 ص. 191-192). فمن جهة أولى يسلم بيرس بوجود جماعة علماء فعلية بوصفها “ذاتا للمعرفة” ويتصور المعرفة كذلك عملية تأويل فعلية.  لكن ذلك من جهة ثانية لا يعني الاعتماد على وظيفة المعرفة الفعلية القابلة للوصف التجريبي والجماعة الفعلية-فهذا عنده من مهام علم اجتماع المعرفة-بل هو يعني الاعتماد على توجه عملية التأويل المعيارية إلى الوحدة في الغاية عند الجماعة غير المحدودة. ولا شيء غير هذه الوحدة في الغاية يمكن أن يسمح لنا بالكلام على نزعة متعالية بوجه ما.

إن “إجماع” هذه الجماعة التواصلية هو إذن ضامن الموضوعية في المعرفة وهو الذي يشغل موضع “الوعي المتعالي بصورة عامة” عند كنط. وهو بصورة عامة يؤدي عند أبل دور المبدأ الناظم regulatives Prinzip  الذي من حيث هو مثال الجماعة لا يتحقق إلا في الجماعة الفعلية وبواسطتها (راجع نفسه ص. 192). ويتعلق الأمر هنا أيضا كما هو الشأن عند كنط بفكرة ناظمة أو مبدأ ناظم:”فكرة تحقق جماعة تأويل غير محدودة يفترضها كل من يحاجج عامة (وكذلك كل من يفكر !) يضمرها كسلطة مراقبة مثالية” (نفسه ص.215).

1.4.3.1-جماعة التواصل بوصفها شرط إمكان للحجاج المفيد [12].

ويمكننا من منطلق تأملنا لجماعة التواصل أن نقول إنه لكي نحاجج لا بد أن نعلم أنه يوجد دائما قبل حجاجنا عدد كبير من المحاجِّين أي جماعة حجاج. فنحن نحاج في علاقة بمشاركين آخرين في الحجاج. وبالتالي فإن من الشروط الضرورية للحجاج المفيد كذلك القواعد والمعايير التي تتصل بالعلاقات (التفاعلات) بين الذوات المحاجين (المتواصلين) وتضبط هذه العلاقات. فإذا وافقنا على هذا بات من المستحيل أن يكون الحجاج قابلا للتصور من دون جماعة حجاج أو جماعة تواصل. وعلى سبيل المثال فإن كل الدعاوى بوصفها أهم مقومات الحجاج (ص. 217) لابد أن يكون من بين ما ينتسب إليها من دعاوى أساسية دعاوى أن الأمر في هذا الحجاج يتعلق في الحقيقة بقضايا صادقة وذات معنى وبمدع يمكن أن يرفعها ضد أي كان يكون قادرا على المشاركة في الكلام وكذلك ضد كل مشارك ممكن في الحوار. فإذا وجد الكثير من الذوات القادرة على الجدال فلا بد أن نكون كمجادلين قد كنا دائما في صلة بهم. لذلك فإن الهدف المثالي ينبغي أن يكون إجماعا عقليا بين المشاركين في الجدال.

إن طريق بيرس وأبل في التفكير  تقبل الرسم التالي: فمن يحاجج يرجع دائما إلى جماعة تواصل أي إلى جماعة حجاج مفروضة سابقة ويعمل كأحد أعضائها. وهذا المتعالي” ما هو سابق من الأمر دائماimmer schon ” ينبغي أن يؤكد أن ما يعد حجاجا خاصا أعني من دون علاقة بجماعة حجاجية أمر غير ممكن. إن الفلسفة المتعالية الكنطية في شروط إمكان المعرفة وصحتها الفلسفة التي تؤدي دور النموذج حولها أبل هنا إلى تداولية لسانية متعالية لشروط إمكان الحجاج وصحته أي للتواصل. ومعنى ذلك أن “نقد العقل الخالص” و “نقد العقل العملي” قد تم نسخهما بالتجاوز الحافظ إلى “نقد علاقات التفاهم” (راجع كولمن 1985 ص.145). وبالتالي فإن بديهيات الوعي بإدبارها إلى واقعة ما لا يمكن الذهاب إلى ما ورائه أعني ما وراء “ما سابق من الأمر دائما” أعيدت صياغته في بديهيات لغوية في اللغة العامة الحقيقية التي تتشارك في فهمها الذوات المتواصلة والمتعاونة في الجماعة التواصلية.

وتتمثل بنية هذه النظرة الأساسية في أن كل مشارك في الجماعة التواصلية والحجاجية يتفاهم على شيء مع المشاركين الآخرين في الجماعة المتواصلة والمتحاجة بواسطة أعمال لغوية في اللغة العامة. وهكذا فلسنا أمام البنية الأساسية التقليدية ذات المنزليتين أعني الملاحظ والموضوع النظري بل نحن أمام بنية مثلثة المنازل. فكل من يحتج ويحاول أن يجيب عقليا على سؤال أعني يلاحظ موضوعا نظريا يفعل ذلك دائما كعضو في جماعة تواصلية وبصلة معها ومن ثم فاعترافه سابق بقواعد لا يمكن أن يتجاوزها إلى شيء بعدها قواعد تحيل إلى بشر يعملون بعضهم مع البعض (نفسه ص. 185 وما يليها). وذلك كله ينتهي بنا إلى أطروحة أشمل هي أن اللغة الخاصة غير ممكنة كما سبق أن أكد على ذلك فتجنشتاين (راجع فتجنشتاين 1977 الفقرتان 183-184 والفقرات 243 -315). وأهم حجة ضد إمكانية اللغة الخاصة هي أن اللغة الخاصة غير معلومة مبدئيا: فإذا دافعنا عن فكرة اللغة الخاصة فلا بد أن نقع في شئ من جنس “لغة الانطوائية”.

2.4.3.1- وظائف الجماعة المتواصلة

ويمكن أن نؤكد حصيلةً مرحلية أن الجماعة الحجاجية أو الجماعة التواصلية تنتسب إلى الشروط الضرورية للحجاج المفيد. فالحجاج والكلام لا يكونان ممكنين إلا في إطار جماعة التواصل المفروضة مسبقا وفي صلة بها. (ص. 118). وتبين طريق الفكر التي أوصلت إلى هذه الحصيلة ما يلي من التأملات الخاصة بالصفات المميزة للإفضاءات اللغوية: فأي “س” لا يمكن أن يعد لفظا لغويا إلا إذا كان مصوغا بلغة عامة أو كان قابلا للترجمة في لغة عامة (قابل لأن يعاد صوغه بها). فينتج من ثم أن “أي “س” لا يعد لفظا[13] لغويا إلا إذا كان من حيث المبدأ قابلا للفهم من كل متلكم ممكن أي من كل مشارك في جماعة تواصل لا محدودة” (كولمن 1985 ص.167-168). ومن ثم فجماعة المتواصلين شرط ضروري لـأعمال الكلام. لكن إحالة جماعة التواصل على أعمال الكلام هذه ليست علاقة مباشرة بل هي علاقة ضمنية. لذلك فإننا نحتاج أن نضيف القبول بإمكانية تلاؤم محتمل بين المشاركين الممكنين في التواصل.

إذا صح أن جماعة التواصل ينبغي أن تتمكن من فهم لفظ “س” حتى يمكن ل “س” أن يكون لفظا لغويا فإنه ينبغي إذن أن نعتبر جماعة التواصل في كل الأحوال شرطا ضروريا للفظ ولاتباع القواعد فكذلك يصح ألا توجد واقعة أن يتكلم المتكلم “”م”” أعني أن يلفظ عبارات من دون أن تتمكن من تحديد السلطة التي هي في الغاية السلطة الوحيدة القادرة على تحقيق المعرفة المشتركة بين الذوات وتلك هي جماعة التواصل (راجع نفسه 169). فمن يفهم لفظا فهما لغويا لا يتصرف إزاء هذا اللفظ تصرفا معرفيا كمجرد ذات عارفة بل هو في نفس الوقت يتصرف إزاءه كذلك كمتعاون إزاء مهمة تعاونية وإزاء المتكلم الذي لفظ هذه الكلام بوصفه مشاركا في التفاعل (راجع نفسه). ولا يكون أي “س” لفظا لغويا إلا إذا كان مبدئيا قابلا للفهم بهذه الصفة من جميع المتكلمين وهو لا يكون كذلك إلا إذا كان قد أنتج واستعمل بمقتضى قواعد تكون إما معلومة لكل المتكلمين أو قابلة لأن تكون معلومة لهم بمقتضى قواعد تشترك الذوات في قبول صحتها أو قابلة لأن تتصف بهذه الصفة (راجع نفسه ص. 170).

فكون “س” لفظا لغويا وكونه كذلك شيئا بني بمقتضى قواعد ليس أمرا مرتهنا بمنتجه فحسب بل هو مرتهن بالموافقة الممكنة من قبل المتكلمين الآخرين على أساس تعرفهم على تلك القواعد (نفسه). فليس يقين منتجي اللفظ الخاص هو الحاسم في الأمر هنا بل إن ما يحدد المعايير لصحة القواعد ولصحة اللُّفوظ اللغوية هو جماعة التواصل. إن الحسم في كون منتج “س” يتكلم حقا ويتجه بحسب قواعد مشتركة الصلوحية بين الذوات لا يحصل عنده بل هو يحصل عند جماعة المتواصلين. وبصورة جوهرية فتلك هي إمكانية التعاون في الجماعة المتواصلة. والتوافق والتعرف أكثر من مجرد المعرفة إنه بالأولى لعب مشترك أي إنه تعاون (راجع نفسه).

والمسلمة الأهم التي هي الأطروحة الأساسية في آن هي أن اللغة لها وجوه تواصلية وأن اللغة ليست مجرد وسيط لنقل الأفكار بل هي كذلك أداة تواصل. وتعرف التدوالية المتعالية جماعة التواصل في معناها الأشمل بكونها جماعة التفاعل. فأفعال اللغة من حيث هي أفعال تفاهم متفاعلة ومن ثم فهي تحيل على مشارك في الحوار وهي تكتمل بواسطة أعمال تعاونية من المشاركين فيه. ويعني ذلك (ص.119) أن الشيء لا يكون لفظا لسانيا إلا إذا كان تعاون جماعة التواصل ممكنا. ولهذه العلة بالذات فإن صفات “هذا الشيء” المحددة هي التي على أساسها يكون التعاون ممكنا:” فإن “س”ينبغي أن يلائم الأنشطة التعاونية لجماعة التواصل” (نفسه ص. 171).

وما ينبغي لمنتج الكلام تحقيقه من إمكانات تعاونية حتى يوصف “س” باللفظ  اللساني هو أن يكون رد فعل جماعة التواصل على “س” بالموافقة أو بالمعارضة وأن يكون المقصود ب”س” مستدعيا إما الموافقة أو المعارضة. ويتمثل التعاون في كون جماعة التواصل تضفي الصحة على الأقل في بعض الأحيان على قواعد المنتج ومعاييره وأن تُقوَّم في ضوئها أنشطة المنتج ومطابقتها للقواعد. وهذا التقويم ينبغي أن يكون على حال تجعل الاتفاق المبدئي (الإجماع) على صحة الأحكام بين المنتج وجماعة التواصل أمرا ممكنا. فمن جهة أولى ينبغي أن يدعي المنتج لأنشطته دعاوى الصحة المقبولة ومن جهة ثانية فإن الجماعة المتواصلة هي التي تعطي السند الأخير لصحة فهمها ضمن هذه الوحدة (راجع نفسه ص.175).

ملخص: لا يكون “س” لفظا لغويا ومن ثم حالة صالحة من احترام القواعد إلا إذا كان تعاون جماعة التواصل ممكنا. وبالمقابل فإن التعاون لا يكون ممكنا إلا إذا اعتبرت جماعة التواصل هذا اللفظ “س” مهمة تعاونية. لكن الجماعة لا يمكنها أن تفعل ذلك إلا إذا كان منتج الكلام قد قصد ذلك كذلك فعلا. فينتج عن ذلك أن “س” لا يمكن أن يكون لفظا لغويا وحالة من حالات احترام القواعد وأن يفهم بوصفه كذلك إلا إذا كان منتجه قد أنتجه حقا في صلة مع ردود الفعل الممكنة أي مع التعاون الممكن للجماعة التواصلية. فالجماعة التواصلية شرط ضروري وذلك لأن “س” بوصفه لفظا لغويا وحالة من حالات احترام القواعد يمكن أن يكون (مقبول الصحة) (صالحا).  فكون “س” حالة من حالات احترام القواعد وكون “ق” قاعدة وكون “م” معيارا للفصل بين ما يطابق القاعدة وما يعارضها كل ذلك ليس مرتهنا بمنتج “س” وحده بل هو كذلك مرتهن بتعرف جماعة التواصل وموافقتها وتعاونها (راجع نفسه ص.175-176).. ” فما كان منتج اللفظ غير قادر على معرفة إمكانية التعاون في الجماعة المتواصلة (موافقتها) فإن الشخص “ش”  لن يعلم أن المعيار “م” قابل  لأن يؤدي بالفعل دور معيار الفصل بين الصحيح والغالط … أما إذا كان “ش” لا يستطيع أن يعلم أن “ص” هو مثل هذا المعيار فإنه لن يكون لديه من ثم “ص” مثيل المعيار ومن ثم فهو لن يستطيع الفصل بين ما يطابق القاعدة وما يعارضها. وإذا كان “ش” ليس في هذه الوضعية فإننا لا يمكن أن نقول هل “ش” يتبع قاعدة أم لا (…) وهكذا فمن دون أن يعلم “ش”  شيئا عن جماعة التواصل لا يمكن أن يعلم هل إن “م” يمكن أن يكون معيارا تسلم به الجماعة  ومن دون هذا العلم لن يكون في وضعية اتباع قاعدة معينة. (…) إن الكلام أعني اتباع القواعد لا يكون ممكنا إلا في إطار الجماعة المفروضة مسبقا وبالرجوع إليها” (نفسه ص. 176).

إن التداولية المتعالية تعرف جماعة التواصل في معناها الواسع بوصفها جماعة تفاعل. فأعمال اللغة من حيث هي أعمال تفاهم هي أعمال تفاعل عندما تحيل إلى مشارك في الحوار وتكتمل بما يناظرها من أعمال المشاركين الآخرين (ص.120). وذلك هو جماع المسألة في النظر إلى جماعة التواصل من حيث هي شرط ضروري لإمكان الحجاج المفيد والتواصل. فوظائف جماعة التواصل المتعالية هي ما وصفنا أعلاه.

3.4.3.1- قبلي جماعة التواصل[14]

يقتضي الحجاج قواعد محددة للحجاج حتى نستطيع التمييز بين حجاج مفيد وحجاج عديم المعنى. وهذه القواعد لا يمكن لنا أن نستخرجها من “العقل بما هو أمر واقع” (كنط) كقبلي للوعي بل ينبغي أن ينظر إليها بوصفها قبليَ جماعة التواصل. فلا يمكن لهذه القواعد أن يكون لها منزلة المبادئ الناظمة إلا بهذا المعنى. وقبليُ جماعة التواصل بوصفه شرط إمكان وشرط مقبولية لكل حجاج يمكن من جهة أولى أن يقارن مع قبلي الفلسفة المتعالية التقليدية. لكن الأمر من جهة ثانية لا يتعلق هنا بقبلي للوعي ولا هو في الحقيقة متعلق كذلك بمفروضات واقعية قبلية خالصة (الوعي عامة من حيث مثالي ومعياري أو القبلي الوجودي للعلوم التجريبية). إنما الأمر يتعلق هنا بالقبلي اللغوي أعني بالقبلي التواصلي لجماعة تواصل هي في نفس الوقت جماعة واقعية فعلا ومثالية.

إن صفة “مثالي” القصد بها أن تشير إلى أن الأمر يتعلق بتواصل معياري وربما بتواصل يجري في جماعة تواصل ما زالت لم تتحقق بعد وهي تعتبر هدفا مثاليا لكل جماعة تواصل واقعية.  فالأمر يتعلق هنا بالأولى ب”ما ينبغي أن يوجد” أكثر من تعلقه ب”ما هو موجود”. وجماعة التواصل هذه لا تتحقق إلا في المستقبل لكنها ينبغي أن تكون المرجع لكل جماعة تواصل. لذلك فإن قواعد التواصل والحجاج ينظر إليها كمبادئ للتواصل والحجاج.

5.3.1- نموذج فلسفة اللغة الجديد[15]

يستند النموذج الجديد لفلسفة اللغة بعد المنعرج التداولي على المسلمة الأساسية القائلة إن اللغة لها أيضا وظيفة أساسية ولها بالفعل وظيفة تأويلية متعالية وأن اللغة ينبغي النظر إليها في الحقيقة بصفتها النطق (اللوجوس) المشترك بين البشر. فاللغة تؤدي وظيفة التواصل المشترك بين الذوات وهي تعتبر توافقا على المعاني.  إنها التوافق على معاني الكلمات و”على معنى الوجود بفضل نقل دلالة الكلمات للأمور (المتكلم عليها)” (راجع أبل 1973 ص.336). (ص.121).

فمن منظور نموذج منطقي صوري ومرجعي دلالي يبدو أنه لا يمكن “للغة من حيث هي نظام رمزي دلالي نحوي أن تؤدي معنى ذاتي الإحالة فيكون ذا علاقة تداولية” (أبل 1986 أ ص.60-61). فبرتراند رسل على سبيل المثال “رأى في مثل هذه “العلاقة العائدة على الذات” (انعكاس التفكر) في اللغة الطبيعية علة المفارقات الدلالية –مثل مفارقة الكذاب- ولذلك فهو قد اقترح تعويض الإحالة إلى الذات (التداولية) التي تتصف بها اللغة العادية بقسمة اللغة قسمة تردد بلا حد فستمتها إلى لغة موضوع ولغة ما بعد موضوع” (نفسه). لكن أصحاب التداولية المتعالية يرون في الإستراتيجية التي تستثني المعنى الذي يحيل إلى الذات بالعودة عليها والمعنى التداولي من علم الدلالة الفلسفي صدا للاعتراف بطابع المنازل الثلاث طابعها المبدئي في علم الدلالة (راجع نفسه) ذلك أن ” المعنى التداولي للرمز الذي يجعل علم الرمز بعد بيرس بمعنى التأويل الفعلي للرمز يجعله علاقة ثلاثية هو الآن ذاتي الإحالة. وهو على الأقل لا يمكن أن يرد إلى المعنى الدلالي المرجعي الذي للرمز المؤول. ولو كان هذا الرد ممكنا لامتنع علينا أن نعلم أبدا البعد التداولي لعلم الرمز” (نفسه ص. 61).

ومثلما كان استعمل مصطلح قصدية الوعي في فلسفة الوعي يستعمل أبل تصور “القصدية” ليصف انعكاسية (الإحالة الذاتية العائدة على الذات) اللغة: ” فحيثما تعلق الأمر بالبعد التداولي من علم الرمز واستعمال الرموز وتأويلها من قبل ذات الإنسان تعلق بقصدية المعنى  وهذه القصدية هي دائما منعكسة على ذاتها” (نفسه ص. 62). إن النموذج التقليدي لفلسفة اللغة قد وضع فصلا بين المعنى الدلالي والمعنى التداولي وبالتالي بين علم الدلالة-المرجع و(علم) التداولية. وهذا الفصل بين علم الدلالة الذي للنظام اللغوي والتداول لاستعمال اللغة التواصلي قد اعتبر مساويا للفصل بين الجمل القضوية ذات الوظيفة الخبرية ومثلها الجمل ذات الوظيفة التمثلية ومجرد الوظائف التداولية للعبارة وللنداء (للتنبه) بتوسط الأعراض والعلامات (راجع نفسه ص. 65).

لكن نطق اللغة الدلالي أشمل من النطق الذي يتمثل الوقائع بواسطة القضايا. وهذا يصح خاصة بالنسبة إلى النطق الغات الطبيعية نطقها الدلالي ذلك أن نطق اللغة الصناعية القابلة للصوغ الصوري مقصور على التمثل وبنحو ما على ما سماه بوبر “وظيفة الحجاج” التي تؤديها اللغة (راجع نفسه). لكن النطق الدلالي الذي تؤديه اللغة الطبيعية يقدم وظائف اللغة التواصلية كذلك بفضل العبارات الإنشائية يقدمها على مستوى معاني صالحة يُعبر عنها رمزيا تعبيرا مشتركا بين الذوات. ويصح ذلك كذلك على التعبير عن المعاني التي في القصود الذاتية ومن ثم فهي لا تستثني من النطق الدلالي للغة الطبيعية إحالةَ الذات على ذاتها إحالة ذات معنى تعبر عن القصد الواعي بالذات عند الإنسان (راجع نفسه). وبذلك يتبين هنا البعد التداولى بوصفه بعدا تأويليا متعاليا لفهم المعنى فهما تتقاسمه الذوات. (ص.122).

6.3.1-نظرية أفعال الكلام وفكرة التداولية اللغوية المتعالية[16]

إن الفصل التقليدي بين علم الدلالة المرجعية وعلم التداولية قد دحضتها بوجه ما نظرية أفعال الكلام التي اكتشفت عبارات الإنشاء الفاعل بواسطة نظرية استن في الدور اللاكلامي للإفضاء. ويتعلق الأمر في نظرية الأفعال الكلامية بأن قابلية إحدى الجمل للاستعمال هي رهن حال الجملة (أو جهة الكلام). فالجملة لا تعبر عن قضية فحسب بل هي تعبر عن قوة فعل كلامي في صلته بتلك القضية أعني الأفعال اللسانية التي يمكن أن تصحب التلفظ. فكل فعل كلامي فيه مقوم قووي وبعد غير كلامي يحدد نوع فعله حيث يفهم من دوره اللاكلامي دوره التداولي الذي يحصل خلال استعمال جملة في وضعية تداولية معينة. إن تصنيف (وظائف الكلام) اللاكلامية تحيل إلى أفعال الكلام التالية: الجازم والموجه والمستفهم والواعد والمعبر أعني الجزميات والطلبيات والمسأليات والوعديات والكشفيات. فللغة عدة أدوار تواصلية مختلفة لا تعبر عنها الجملة دائما بوضوح وهي لا تتضح إلا من خلال ظرف التلفظ بها.

ويمكن أن نقسم أفعال الكلام على النحو التالي: فالأفعال الكلامية يقع التعبير عنها لغويا بفضل ما يسمى بالخبريات أما الأفعال اللاكلامية فيعبر عنها بما يسمى بالإنشائيات. وكل الأفعال الكلامية لها في نفس الوقت طاقة القوة التي للأفعال اللاكلامية أعني أن ما لها من دلالات تواضعية لغوية ليست مقصورة أبدا على ما لها بالقوة من تمثلات صادقة أو كاذبة بل هي تضبط كذلك بشكل صالح ومشترك بين الذوات القوة التداولية الممكنة للتلفظ بالجمل من حيث هي أفعال تواصل لا كلامية. ويوجد فرق بين أفعال الكلام (أفعال الكلام اللاكلامية) من حيث هي وحدات كلام والجمل من حيث هي وحدات لغة لكن كل الجمل لها افتراضيا قوة الأفعال اللاكلامية. فالفعل الكلامي الذي تحققت فيه كل الشروط النحوية والدلالية بمعنى البناء اللغوي هو في نفس الوقت على مستوى التداول التواصلي فعل لا كلامي بالقوة. وهو لا يصبح فعلا لاكلاميا بالفعل إلا عندما تتحقق شروط مكملة معينة على سبيل المثال الشروط التي تجعل المخاطب يفهمه.

ومعنى ذلك أنه لا بد من التمييز بين البعد الدلالي المرجعي والبعد التداولي القووي وكذلك بين الدلالة بمعنى تمثيل الوقائع في القضايا والدلالة بمعنى القوة التداولية الممكنة أي بمعنى دور أفعال اللغة اللاكلامية. فجمل اللغة الطبيعية لها في مستوييها النحوي والدلالي بنية مزدوجة إنشائية وخبرية في آن. وعلينا أن نميز بين الوجه الدلالي من التلفظ ووجه حاله الإنشائي (راجع ف. كوتشيرا 1975 ص. 166-183). (ص. 123).

لا يهتم علم الدلالة المرجعي التقليدي إلا بالقسم القضوي من الجملة فيجرده من قوة الطاقة التداولية التي لها أعني من الدور اللاكلامي أو من وظيفتها على مستوى التواصل. لكن النطق الدلالي في اللغة الطبيعية لا يكفي لتعريفه النطقُ القضويُ (القضية الخبرية) بل إن تعريفه يكون بالأحرى بواسطة البنية التكاملية بين الدلالة القضوية (جملة خبرية) [17] والدلالة الإنشائية (راجع أبل 1986 أ 71). ومعنى ذلك أن أبل قد وسع تصور علم الدلالة.  وليس هذا التوسيع ممكنا إلا في إطار تداولية لسانية متعالية. إن مكوني البنية المضاعفة للجملة هما القضية الخالصة (مضمونها) ودعواها. وهذا القصد الدلالي تداولي وهو يحيل إلى فعل كلامي.

ولذلك فالفرق بين (مضمون) القضية ودعوى القضية  فرق مهم لأن هذه الدعوى وحدها هي التي تعبر عن دعوى الحقيقة وهي لا تعبر عن هذه الدعوى فحسب بل هي تعبر كذلك على سبيل المثال عن دعوى وجاهة الدعوى وجاهتها الخلقية المعيارية المناسبة: ” فدعوى الحقيقة تقدم مع الإحالة إلى القضية المدعاة أما دعوى الوجاهة المعيارية فإنها تحيل إلى دعوى الحقيقة ذاتها من حيث صوغها الإنشائي”[18] (أبل 1986 ص.73). وأخيرا فإن كل جملة يصحبها إدعاء بحقيقة ما قضت به حول موضوعها. ومن ثم فإنه بوسعنا أن نصوغ ثلاث دعاوى كلية وضرورية في صحة الكلام الإنشاني أو صحة أفعال الكلام التواصلية أن نصوغها بواسطة جمل إنشائية صريحة وذات إحالة إلى الذات:

1-دعوى حقيقة القضايا حقيقتها الصحيحة والمشتركة بين الذوات (دعوى الحقيقة).

2-ودعوى الوجاهة المعيارية الصحيحة والمشتركة بين الذوات  ومثال ذلك صحة أفعال الكلام أو شرعيتها من حيث هي أفعال تواصل اجتماعية (دعوى الوجاهة).

3-ودعوى الصدق المتبادل والمقبول بين الأشخاص أو صحة العبارة عن القصود الذاتية (دعوى الصدق) (راجع أبل 1986 أ. ص.73).

“إن هذه الدعاوى الثلاث في صحة الكلام الكلية (النطق) ضرورية ولا يمكن أن يكون لها ما بعدها (لتأسيسها) ذلك أنها لا يمكن الجدال فيها من دون الوقوع في تناقض تداولي. لذلك فإني لم أكتف بتسميتها (مثل هابرماس) تداولية كلية بل سميتها تداولية متعالية” (نفسه ص.74).

لكن الصوغ اللساني لدعاوى الصحة هذه لا يفترض من ناحيته مجرد دلالة مرجعية ووجاهة ملزمة لمعنى الجمل اللغوية في آن. وهذا يحيلنا إلى دعوى صحة رابعة للكلام ذات أصل غير مباشر في نطق اللغة الدلالي. وهذه الصحة أكثر أساسية مما يسمى بعد بصحات الكلام الثلاث. ويتعلق الأمر فيها بدعوى الكلام الكلية حول وحدة الصحة المعنوية المشتركة بين الذوات (المتواصلين). فبصفتها “النطق الدلالي” للغة الطبيعية بمعنى البنية المضاعفة للإنشاء والخبر تعد هذه الصحة الرابعة شرط إمكان لدعاوى الصحة الكونية الثلاث الأخرى. وهي لا تجعل (ص. 124) قبول الصحة المشترك بين الذوات للقضايا الصادقة  أمرا ممكنا فحسب بل هي تتجاوزه إلى تحقيق القبول المشترك بين الذوات لصحة ما يقصده الإنسان من المعاني (نفسه 74-75). فالنطق الدلالي للغة الطبيعية يبرز قصد المعنى المحيل على الذات عند الإنسان.

إن نطق التداولية المتعالية الموسع الذي لبنية الكلام المضاعفة (الخبرية والإنشائية) بنيته الدلالية القابلة للصوغ الصريح تكون دائما وفي نفس الوقت دعوى صحة المعنى الكونية وأبعادها العوالمية الثلاثة- عالم الموضوع وعالم المعية وعالم الذات الباطني Objektwelt-Mitwelt-subjektive Innenwelt -وهو بهذا المعنى راجع إلى صحة كونية ذات أبعاد ثلاثة. وفي ذلك يكمن توسيع معيار “الدلالة-الإحالة (إلى مرجع)” لقابلية التحقق وبالقياس عليها قابلية التكذيب لما يُدَّعَى من القضايا توسيعه بمعنى قابلية صحة الدعاوى الثلاث للقبول الدعاوى التي يتصف بها فعل الكلام (نفسه ص.76).

وبذلك نستطيع حسب أبل تجاوز نموذج العقل السليم (=الحس العام) لتمثيل العالم اللغوي بالسير على خط التلاقي في الغاية بين فلسفة فتجنشتاين المتأخرة وفلسفة اللغة العادية البريطانية والتأويلية اللغوية القارية (الأوروبية). والمعلوم بعدُ أن تمثيل العالم بواسطة القضايا ليس هو رمزا دالا على ما يتقدم على اللغة من تجربة حول مجرى الأشياء بل هو تأويل لمجراها في ضوء لغات تاريخية متغيرة وتابعة للتقاليد. ومن ثم فالحجاج ليس تفسيرا من جنس “س يفسر ش” (بعدان للرمز) بل هو تحقيق إجماع تواصلي (س يفسر شيئا ش لذات معينة ذ) (ثلاثة أبعاد للرمز).

وحسب رأي ف. كولمن فإن التداولية المتعالية التي دشنها أبل ” فلسفة تجيب بصورة مناسبة على وضعية الفلسفة الراهنة مناسبةً ذات خصوصية تامة” (كوملن 1985 ص. 12). فما المقصود بهذه الوضعية الراهنة ؟ يواصل كولمن قائلا  إنها تتمثل في المقام الأول في كون المسائل المتعلقة بشروط إمكان المعرفة والأخلاق تبقى دائما مسائل مركزية في الفلسفة. لكننا لا يمكن أن نتبنى مبادرة كنط كما هي دون تغيير للعلل التالية. فمن ناحية أولى ينبغي لنا أن نرفض أطروحة الشيء في ذاته غير المعلوم مبدئيا. ومن ناحية ثانية فإن كنط يحط من قيمة دور اللغة. ومن ناحية ثالثة ف(حل) كنط ينقصه بُعد المشكل الناتج عن “الروح الموضوعيobjektives Geist “. ومعنى ذلك أن نقد العقل عند كنط ينقصه “نقد العقل التأويلي أو نقد العقل الفاهم”.

لذلك فلا بد من توسيع تصور الذات المتعالية (راجع نفسه ص. 13-15) والذات العارفة وينبغي تعيينها وتوريخها (إدراجها في التطور التاريخي) وإنطاقها (جعلُها ناطقة أو استكلامُها). لكن ذلك لا ينبغي أن يكون دالا على الميل إلى النسبوية والتاريخانية ومن ثم إلى الشكاكية لأن مثل هذا الميل لا يمكن التوفيق بينه وبين طرح المسالة طرحا متعاليا. وينبغي أن تفهم التداولية المتعالية (حسب هذه النظرة) بوصفها صيغة جديدة من الفلسفة المتعالية. فمثل هذه الفلسفة المتعالية بحاجة إلى نوع خاص من الحجج إلى “نواة صلبة” أداة صد للنسبوية التي تهدد (الفكر الإنساني). وهذه النواة الصلبة ينبغي أن تتكون من قضايا وكذلك من قواعد شديدة العمومية والصورية (حتى)                  “تستطيع أن تحقق (القبول بقيمة أوبـ) صحة مفروضات المعرفة المتغيرة والتي هي عرضية وتاريخية” (نفسه ص. 20).

إن نواة الفلسفة المتعالية التقليدية نواتها النسقية قد بينت لنا ما يسمى بتعليل الشرعية المتعالي أي شرعية الحجج المتعالية. وهذه الحجج التي بفضلها تتبين شرعية استعمال (ص. 125) مفهومات معينة أي حقيقة قضايا غير تجريبية ينبغي أن تتبين وثاقتها بيقين جازم إذا أثبتنا: أنه إذا لم نستعمل هذا المفهوم وإذا لم تكن هذه القضية حقيقية فإن أمرا لا يقبل الجدال مثل إمكانية التجربة الصحيحة أو مثل “طريق العلم الواثقة”  لن يكون موجودا (راجع نفسه). لكن الأمر لم يعد الآن متعلقا بالتجربة وبالمعرفة كما كان عليه الشأن عند كنط. ومن ثم فنواة الفلسفة المتعالية الجديدة نواتها الصلبة تتمثل في بيان شروط إمكان الحجاج المفيد ومقبولية صحته. فيمكن أن نجعل الحجج المتعالية بهذه الصورة حججا مُعترف بصحتها لتأسيس نهائي متفكِّر. والتداولية المتعالية من حيث هي وسيط بين فلسفة التحليل اللساني والكنطية ينبغي أن تبين أنه علينا وبوسعنا أن نجعل التواصل اللساني موضوعا للتفكر الفلسفي المتعالي.

ويقتضي ذلك أن نعيد تعريف المفاهيم اللغوية. فيكون علينا أن نقدم تحديد فلسفيا مطابقا لهذه المفهومات. وعلى الفلسفة ألا أن ترد اللغة إلى مجرد وظيفة الترميز الأداتي والتبليغ فتقصرها عليهما. إن إشكالية اللغة هي بالنسبة إلى الفلسفة هي إشكاليتها من حيث هي إشكالية المبادئ العامة لبناء المفهومات والنظريات العلمية وقضاياها الذاتية لها وإشكالية صوغ المعرفة صوغا ذا صحة مفيدة تتقاسمها الذوات عامة (راجع أبل 1973 ص.332). وعلينا الآن أن نجيب عن السؤال التالي: كيف يمكن للفلسفة أن تجعل اللغة موضوعا فلسفيا لها بصرف النظر عن ضروب جعلها موضوعا (في غيرها من العلوم) ضروبه العلمية كاللسانيات مثلا ؟ ومن بين الطرق التي يراها أبل ممكنة هي تلك التي توجد حيثما تعلق الشأن في اللغة ب”أمر متعال عظيم” (بالمعنى الكنطي). فاللغة شرط إمكان وصحة للفهم ومن ثم فهي شرط إمكان وصحة لمعرفة الموضوعات وللفكر المفهومي وللعمل ذي المعنى. لذلك فهو يتكلم على”مفهوم للغة متعال وتأويلي”.

7.3.1- المصاعب الرئيسية لخطة التداولية المتعالية

وبنفس النحو أحال هابرماس كذلك إلى بينة الكلام المضاعفة إلى فعل الكلام اللاكلامي وإلى البعد القضوي وأتى مثله إلى تصنيف دعاوى الصحة بواسطة تحليل الدعاوى: فدعوى الحقيقة ودعوى الصحة ودعوى الصدق ودعوى الفهم  (راجع هابرماس 1976) تمثل أربعتها قاعدة المفروضات الكلية والتي لا بد منها في إمكانيات التفاهم. لكن هابرماس لا يقاسم أبل النظرة القائلة إن الشأن يتعلق بـأمر جلل متعال وإن البحوث في مفروضات التواصل الكلية والتي لا بد منها ينبغي أن تعتبر من “المتعالي” (راجع نفسه ص.201). وبذلك فهابرماس يثير اعتراضين ضد التداولية اللغوية المتعالية. فالبحث المتعالي ينبغي أن يركز على شروط إمكان التجربة. والبحث في مجرى التفاهم من وجه مجرى التجربة يبدو غير وجيه:

1-(فعنده أن) بنى القول الكلية ينبغي أن يبحث فيها من وجه التفاهم لا من جه التجربة وذلك لأن تكوين التجربة (ص.126) هنا أمر ثانوي في حين أن البلوغ إلى التفاهم أمر أولي. وبكلمة وجيزة: فالتجارب لا بد من تكوينها أما التلفظات فيكفي إنتاجها (راجع نفسه ص.201-202)

2-و(عنده أن) البحث المتعالي عليه أن يبين الشروط القبلية أما مفروضات التفاهم فهي قابلة للوصف العيني وهي من ثم (مستندة إلى) معرفة بعدية. وبعبارة وجيزة: اللسانيات علم تجريبي (وليست تأسيسا متعاليا) (راجع نفسه ص. 203-204).

كما يمكننا بخصوص إمكانية بناء تدوالية لغوية متعالية أن نشير إلى المشاكل التالية. فقبل أن نبحث في الشروط المتعالية لإمكان الحجاج من حيث هو مجرى تفاهم وشروط صحته لا بد في المقام الأول من تعليل شرعية التفكُّر الفلسفي كمنهج فلسفي لأن فلسفة التحليل اللساني الحديثة منذ أن وضع رسل نظرية الأنواع (الدرجات النوعية متوالية العموم( وتعميمها المنطقي الدلالي في التمييز بين اللغة الموضوع واللغة ما بعد الموضوع صار الغالب عليها تصور التفكر في الاستعمال الفعلي للسان بمعنى علاقة اللغة الطبيعية بذاتها عودة عليها نهجا غير مسموح باستعماله منهجا فلسفيا أو منهجا فلسفيا منتسبا إلى نظرية المعرفة (راجع أبل 1972 ص.81). ويتمثل المشكل في كون التفكر المتعالي يقع ضرورة بواسطة اللغة الطبيعية وهو مع ذلك وفي نفس الوقت يعمل كتفكر في شروط إمكان العلم والفلسفة وفي شروط صحتهما.

ومثل هذا المسعى يبعدنا عن التقاليد الفلسفية التي عرفت بها النزعة المتعالية. ذلك أن التفكر المتعالي الكنطي لم يؤد  إلى  اللغة من حيث هي شرط إمكان العلم وشرط إمكان صحته بل هو أدى إلى الوظائف المتعالية للملكات النفسية التي لـ”ـلوعي عامة” ومن ثم إلى وظائف الحدس والفاهمة والعقل وظائفها التأليفية (راجع نفسه). ولم تكن اللغة عند كنط أكثر من مجرد أداة للرمز إلى نتائج الفكر وأداة تبليغها إلى الآخرين. وهكذا فمبادرة الفلسفة المتعالية التي للغة التي يمثلها أبل تتحصن في نفس الوقت ضد فلسفة اللغة الحديثة وضد الفلسفة المتعالية التقليدية التي تقتصر على الوعي.
2. نظرة الحجاج والتأسيس.

يبدو لي قبل الشروع في عرض النواة النسقية للتداولية المتعالية أعني للنظرة القائلة بغاية التأسيس الفلسفي أن أعيد صوغ مسألة هي جزء لا يتجزأ من هذه النواة النسقية قصدت نظرية الحجاج ونظرية العقلانية. فنظرية الحجاج تمثل جزءا ذا أهمية خاصة من فلسفة التداولية المتعالية. وهو وثيق الصلة مع الدعاوى النظرية للتداولية المتعالية حول المنزلة المعيارية لفلسفة أولى عليها أن تبين الخصائص الأساسية للتفسلف والحجاج اللذين تتميز بهما الفلسفة. ونظرية الحجاج هذه ينبغي (ص.127) لها (حسب أبل) أن تضع قواعد الحجاج العقلاني وأن تبين أن هذه القواعد ملزمة لممارسة الحجاج في الفلسفة.  وقبل أن نعيد صوغ نظرية الحجاج المنتسبة إلى التداولية المتعالية ينبغي بإيجاز أن نعين خصائص نظرية الحجاج عامة بوصفها فنا فلسفيا فنزيد في توضيح الفرق بين الصيغ المختلفة لهذه النظرية ومن ثم حتى ننير الخصائص المميزة لخطة التداولية المتعالية.

1.2-نظرية العجاج عامة

تقبل خصائص العلوم التحديد بواسطة ممارسة معينة للحجاج. ففي العلم كما في مجالات الحياة الأخرى يجري الحجاج حول أي آراء أو مسلمات أو قناعات. وبين أن ذلك يقع أيضا بمقتضى قواعد لا يمكن لنا عامة أن نميز بين الحجاج العلمي والحجاج غير العلمي إلا بها. ولهذه الغاية فلا بد لنا من فن خاص يصوغ قواعد الحجاج هذه فيبين الخصائص الأساسية للحجاج العقلاني. والسؤال الأول الذي علينا أن نجيب عنه هو السؤال التالي: (ما يدرينا فـ)ـلعل المنطق الاستنباطي والصورى التقليدي ما يزال صالحا آلة للحجاج ؟ إن من مؤيدات (الجواب بنعم على هذا السؤال) هو أنه علينا في الحجاج أن نأخذ بعين الاعتبار على الأقل قوانين الفكر وقواعده القوانين والقواعد التي صاغها المنطق الصوري.

وإذن فالمنطق الصوري قد عرف بعد الحدود الأولى للحجاج العقلاني والمعايير الأولى لممارسة الحجاج العقلانية. لكن الواقعة التي تثبت أن نظرية الحجاج صدرت عن نقد المنطق تعارض هذا الجواب. ذلك أن المنطق التقليدي (الصوري) يشوبه  الكثير من النقص والحدود التي تحول دونه وأن يكون آلة شاملة للحجاج أعني للتأسيس فلا يكون بهذا المعنى حاصلا على منزلة منهج العلوم أعني منجية الحجاج العلمي. وبالتالي فإن نظرية الحجاج تطابق الرتبة النسقية لمنطق علوم جديد (صالح) في مسائل الحجاج العلمي. ومن ثم فلا بد هنا من أن نعالج مسألة العلاقات بين المنطق ونظرية الحجاج.

2.1.1- المنطق بوصفه نظرية حجاج[19]

يمكننا أن نقسم تاريخ المنطق تبعا لتاريخ الفلسفة إلى ثلاث مراحل أساسية أو ثلاثة مما يسمى بالنماذج:

النموذج الأول أو (نموذج) المنطق القديم هو الذي شرع في وضعه أرسطو وظل صالحا دون معارضة حتى العصر الوسيط. ويمكن أن نعرف هذا النموذج بنموذج النظرة الوجودية (ص. 128)  للمنطق  لأن مداره هو أساسا قواعد الواقع وقوانينه  تماما كالحال في النموذج الوجودي للفلسفة. فبمقتضاه لم يقع أي تفريق بين قوانين الواقع (قوانين الطبيعة) وقوانين الفكر.

والنموذج الثاني أو (نموذج) منطق العصر الحديث. وقد بدأ هذا النموذج مع ما يسمى بمنطق بور رويال. ويمكن اعتبار هذا النموذج نظرة في المنطق منتسبة إلى نظرية المعرفة بل هي نظرة منتسبة إلى علم النفس وذلك لأنها تحاول أن تجيب عن مسائل تستمد وجاهتها من نظرية المعرفة كما أن الأمر يتعلق فيها بقواعد الفكر وقوانينه. ويطابق نموذج المنطق هذا نموذج الفلسفة الذهني.

(والنموذج الثالث أو (نموذج) المنطق الحديث). وكما أشرنا سابقا فإن فلسفة القرن العشرين تقبل الوصف المميز بالمنعرج اللساني بحيث إنه يمكننا أن نتكلم على نموذج لساني للفلسفة. والمنطق الحديث بالذات شارك في هذا المنعرج بل أكثر من ذلك فما حصل المنعرج اللساني إلا بفضل توجه المنطق إلى اللغة. ونموذج المنطق الثالث “المنطق الحديث” الذي بدأ مع أعمال فراجه يبين لنا نظرة لسانية للمنطق حيث يتعلق الأمر بقواعد اللسان وقوانينه (راجع توجندهت |فولف 1989 ص. 7-10).

وتبعا لهذه النماذج الثلاثة يمكننا أن نقدم ثلاثة تعريفات للمنطق. أما إذا أردنا أن نسعى إلى تعريف موحد فإن  القصد بالمنطق التقليدي النظرية التي تمكن من الوصول إلى أحكام معينة صادقة أشمل بالانطلاق من أحكام صادقة بطرق معينة هي نظرية القياسات الصورية الصحيحة: إنه نظرية القياس المنطقي. وفي هذا المستوى مباشرة يتبين بوضوح أن الحجاج يعني أكثر من هذا الأمر (من القياس المنطقي الذي يحققه المنطق القديم). فالمقصود بنظرية الحجاج عادة نظرية البرهان ونظرية تحرير الأسس الكافية لتأسيس أطروحة علمية ومن هذا المنطلق تأسيسها لصالح نظرية في الإقناع العقلاني من حيث هو نظرية المناظرة العقلانية.

ملخص: إن الأمر في أي نظرية حجاج يتعلق بنظرية تأسيس ونقد أي بنظرية تعليل لشرعيتها أو لدحضها. ويعني ذلك التسليم بأن الحجج تقع على ضربين رئيسيين:

فأما الضرب الأول فهو التأسيس الذي ينبغي أن يسعى إلى تحقيق الموافقة على أي “سلوك للوقائع” أي على قابلية دعوى الصحة لدعاوى عينية.

 وأما الضرب الثاني فهو الدحوض التي ينبغي اعتبارها جارية في الاتجاه المضاد لاتجاه التأسيس.

وبصورة جوهرية فإن الدحوض لها نفس البنى التي للتأسيس. فعندما يريد أحد أن يعلل بعملية تأسيس شرعية مسألة في الأطروحة التي يكون بصدد إثباتها فإنه يحاول كذلك دحض نقيضتها. وبالمناسبة فإن هذا الرأي يضاد ما يقوله ألبارت على النقد (الدحض). فينبغي أن تكون نظرية الحجاج آلة تأسيس ونقد في آن. وقد حاول أصحاب العقلانية النقدية أن يثبتوا بواسطة خيار منشهاوزن الثلاثي أننا نقع في مصاعب لا يمكن التخلص منها عندما نقصد بالتأسيس استنتاج القضايا بعضها من البعض بمعنى المنطق الاستنتاجي. وفي مثل هذه الحالات لا يكون المنطق الاستنتاجي والصوري مناسبا لأن يصبح نظرية تأسيس. إنه لا يعدو أن يكون (ص. 129) نظرية نقد أو نظرية دحض وهو بهذا المعنى كذلك يكون نظرية حجاج إذا كان القصد بالحجاج النقد المتواصل وسلسلة محاولات (هدفها) الدحض.

وهنا أود أن أطرح السؤال التالي من جديد: هل يمكن للمنطق أن يمدنا بمعايير الحجاج ؟ وهل المنطق نظرية حجاج كافية؟  وجواب هذا السؤال مرتبط مباشرة بتصورات المنطق. فإذا قصدنا بالمنطق المنطق الاستنتاجي الصوري التقليدي من حيث هو نظرية الإنتاج المنطقي لقضية من قضايا أخرى فإن الجواب يكون يسيرا ومفاده أن المنطق الذي هذا معناه لا يمكن أن يكون آلة كافية للتأسيس والنقد للعلل التالية:

1-فثم بعض الأشكال القياسية وبعض النقل بين الحجة والأطروحة (المحتج لها) التي هي ليست استنتاجية منطقيا. (ولنذكر) على سبيل المثال القياسات الاستقرائية (أ) من جنس الاستقراءات التي ليس لها نقلة يقينية من المقدمات إلى النتيجة مثل القياسات التعميمية والقياسات الاحتمالية. والقياسات المدبرة من المعلول إلى العلة من بين قياسات أخرى غيرها يمكن طبعا أن تستعمل قياسات استقرائية أو أي نوع آخر من القياس المنطقي الذي يعتبر هذا النوع من القياسات. والمسألة تؤول إلى ما يلي: هل تمثل جملة هذه الأنواع المنطقية نظرية حجاج ؟ ومن بين القياسات الاستقرائية (ب) يمكن أن نعد أدلة التحقق المباشرة وغير المباشرة (ج) وأدلة العلامات التأويلية و(د) والتأسيسات العملية لأحكام القيمة ولتحليل نتائج المواقف والمعايير. كل هذه الأشكال من القياس ضرورية لأنواع معينة من التأسيس. ومن البين أن التأسيس الاستنتاجي المنطقي ليس ممكنا فيها.

2-إن خصومة المبادئ في المنطق تبين لنا أن قواعد المنطق ذاتها تحتاج إلى تأسيس. ومثل هذا التأسيس ينبغي أن يعود إلى أسس تكون من خارج المنطق الاستنتاجي على سبيل المثال نظرية العلم أو نظرية الحجاج.

3-والاستعمال الحجاجي للقياسات تنقصه القواعد التداولية وذلك لأن الوضعية الحجاجية متعينة تداوليا. وهي تابعة لوضعية سؤال وجواب عينية تبعية نسقية. والحجج تابعة للسياق. فبالنسبة إلى المنطق الاستنتاجي الأمر الوحيد المعتبر هو المضمون القضوي. أما بالنسبة إلى نظرية الحجاج فينبغي كذلك أن نأخذ بعين الاعتبار البعد الإنشائي للغة.

4-والحجاجات ليست دقيقة صوريا. وقواعد التأويل كذلك تنقصها القواعد التي تصل بين الحجاجات العادية والقواعد الصورية للحجاج حتى يتم تطوير نظرية الحجاج كفن صوري (راجع لومر 1990 ص.2-4).

ورغم هذه المصاعب جميعا فقد جرت العادة أن يسأل أصحاب العقلانية النقدية هذا السؤال: هل يمكننا أن نزيل قواعد الحجاج من المنطق الاستنتاجي حتى يقدم الجواب الموجب؟ وهذا الجواب مرتبط في هذه الفلسفة ارتباطا نسقيا بتصورها الحجاج من حيث هو نقد. وطبعا فإنه توجد إمكانات أخرى للجواب على هذا السؤال: فعلى سبيل المثال الجواب القائل إن المنطق لا علاقة له بالحجاج أو إن الحجاج لا علاقة له بالمنطق:

 ففي الحالة الأولى يعتبر صاحب الجواب الحجاج استعمالا حجاجيا للغة عديم  الوجاهة في المنطق ويرجع هذا الاستعمال إلى علم النفس.

وفي الحالة الثانية يكون قصد صاحب الجواب بالاستعمال الجحاجي (ص. 130) للغة لعبة لغوية لا تقبل العلاج بأدوات المنطق أي إنها ليست قابلة للصوغ الصوري (للصورنة).

ولكن عندما نقدم دعوى بواسطة نظرية في الحجاج حول نظرية شاملة في التأسيس والنقد نظرية توفر تآسيس يعجز المنطق الصوري الاستنتاجي على المساعدة فيها ونقدم في نفس الوقت دعوى حول منطق الحجاج وعندما نزعم كذلك أن المنطق هو نظرية حجاج فينبغي أن يعاد النظر في مفهوم المنطق من رأس. فالخصائص العامة لهذه النظرة الجديدة تبين لنا تطور الفلسفة نحو منعرج لساني لكأن منعرجا تداوليا أشمل قد حدث في إطار المنعرج اللساني. ولهذا التطور كذلك وجاهة بالقياس إلى نظرة المنطق الحديث ذي الميل إلى اللغة. ومن ثم فيمكننا أن نشير إلى حلين بديلين رئيسيين من خلال اعتبار المنطق نظرية حجاج.

إن نظرية الحجاج توجد في شكل منطق صوري ذي توجه قضوي اعتدنا في الغالب على اعتباره علاقات نحوية دلالية بين أجزاء لسانية مختلفة مثل الجمل والأقوال والقضايا التي للغة وللحجاج وعلى سبيل المثال العلاقات النحوية الدلالية بين الأطروحة التي هي موضوع النظر في صلتها بالحجج التي تكون لصالح هذه الأطروحة أو ضدها.  وهذا المنطق يدرس وجوه اللغة والحجاج وجوههما النحوية والدلالية بمعنى علم نحو منطقي وعلم دلالة منطقي.

ويمكن أن تعتبر نظرية الحجاج منطق الحوار أو بنحو ما جدلا صوريا  أو نظرية (مجرى) المناظرات أو علم الخطابة الذي يأخذ بعين الاعتبار البنية المزدوجة الخبرية الإنشائية للغة من حيث هي كلام  والذي همه  الأساسي هو تداولية اللغة والحجاج. ويمكن أن يكون ذلك نظرية حجاج تداولية في شكل منطق تداولي وجهته غير المباشرة هي الغايات التداولية للحجج كالإجماع كما يؤكد على ذلك أبل وهابرماس منطق يكون عليه أن يحدد قواعد الحجاج قواعده التي تحقق هذه الأهداف. فيكون من حيث هو منطق نظرية عمل تنظيمي لأفعال القول. إلا أنه يكون كذلك نظرية حجاج حوارية أو جدلا صوريا أو جدلا أو علم خطابة تبحث في قواعد للحوار تتبنى من جديد دعوى التحدد التداولي للحجاج.

وينبغي من هنا فصاعدا أن نقيم حدا فاصلا واضحا بين نظرية حجاج تجريبية ونظرية حجاج منطقية. فنظرية الحجاج التجريبية تبين كيف يكون الحجاج فعلا. وهي تشبه علم الاجتماع وتستعمل قواعد الحجاج التي لممارسة الحجاج في الواقع.  أما نظرية الحجاج الصورية المنطقية فإنها تعتمد بالأحرى على تأملات نظرية في منطق حجاج مستقل عن الوضعيات العينية دون أن تكون مع ذلك غير “مبالية بالوضعيات”. أما موضوع المنطق ذي التصور التداولي فهو قواعد الحجاج العقلان.ي كما أن موضوع المنطق الحديث هو القوانين الأساسية لفكر منطقي صحيح. وفي المنطق الحديث يعد الهم الأساسي (ص. 131) (طلب) القواعد النحوية الدلالية للغة منطقية مثالية.

ثم إنه لا بد من طرح مسألة الطبيعة الأيسية[20] لقواعد الحجاج. فمن جهة أولى ليست هذه القواعد “مرقومة” (codifiziert). وهي قد تغيرت تاريخيا. وهي خاضعة للوضعيات لكنها من جهة ثانية تحتاج إلى قيمة صحة ثابتة ومستقلة عن الوضعيات إذا كنا نريد لها أن يكون لها منزلة القواعد التي ليس لها ما بعدها فلا تكون قابلة لأن يُتنازل عنها عنها في الحجاج العقلاني (كلام عقلاني).

2.1.2- الحجاج عامة

إذا أخذنا بعين الاعتبار نظرة للمنطق باسقة على النظرة تداولية ثم نظرة تداولية فإنه يمكننا أن نعرف الحجاج في تقريب أول بطريقتين:

فيمكننا من جهة أولى أن نعتبر الحجاج سلسلة منتظمة من الأحكام مصحوبة بعلامات حجاجية (لذلك لأن وإذ أن..إلخ..). وعندئذ يكون أحد هذه الأحكام هو الأطروحة وبقية الأحكام هي علل هذه الأطروحة أو حججها. وتكون وظيفة العلامة الحجاجية أن تبين الأطروحة والحجج ما هي. ويمكننا خلال ملاحظة هذه العلاقات بين الأطروحة والحجج أن نكتفي بتحليلها تحليلا نحويا دلاليا.

ومن جهة ثانية فإن النظرة التداولية للحجاج توجد في الحجاج الجاري مع “النقاش-المحادثة” أو الحوار في نفس الوقت إذا كان هدف الحجاج تحقيق الإجماع حول مسألة فيها نظر. فعلى سبيل المثال يعرف هابرماس الحجاج قائلا: “نسمي حجاجا نوع الكلام الذي يجعل فيه المتحاورون دعاوى متنازع عليها موضوع بحث ويحاولون حلها أو نقدها بما يقدمونه من حجج” (هابرماس العمل التواصلي ا هابرماس 1981 ص. 38). لكن كمبرتال صاغ المسألة بما يشبه ذلك من منظور بنائي فقال: “فلنفهم بالحجاج-متفقين في ذلك مع الاستعمال العادي للكلمة-كل محاولة كلامية تسعى إلى السيطرة على الخلافات حول التوجهات العملية على أساس من التفاهمات السابقة أو حديثة الحصول بين الأشخاص وليس بالعنف مثلا” (كمبرتل 1982 ص. 41). وكان بوسعنا أن نقول إن الحجاج يتمثل في محاولة إقناع المشارك في الحوار إقناعا عقلانيا.  فيكون علينا أن ننظر إلى عملية الحجاج بوصفها عملية إقناع أو عملية تحقيق للتوافق بين المشاركين في الحوار.

وهابرماس يساوي بين الحجاج (الفلسفي) والخطاب الذي هو شكل خاص من التواصل: التواصل الذي يجعل ذاته موضوع تواصل. وفي هذا التواصل من حيث هو                “مابعد تواصل” تكون دعاوى الصحة المثارة موضوع تواصل. وبالتالي فإن التركيز سيكون على الحجاج حول مسائل الصحة: “نحاول في الخطابات أن نعيد بالتأسيس إقامة التفاهم المستشكل الموجود في العمل التواصلي: وبهذا المعنى أتلكم من الآن فصاعدا على التفاهم (الخِطابي). فالتفاهم له غاية أعني وضعية ينبغي تجاوزها وضعية تحقق التجاوز بفضل استشكال دعاوى الصحة المفروضة عفويا في العمل التواصلي” (هابرماس 1971 ص.115). (ص.132).

ومن المسائل المركزية المسألة التي نريد فيها أن نعلم الحجاجات هل هي كلام مع الذات أم هي حوار ومن ثم نريد أن نعلم هل نظرية الحجاج تعتبر منطقا للاستدلال الصحيح أم هل هي جدل بصفة منطق الحوار والمناقشة السوية ؟ وتؤول بنا هذه المسألة إلى مسألة أوسع هي مسألة المعرفة عامة: هل يمكن تحديد المعرفة بصورة حوارية على سبيل المثال من حيث هي منازعة في دعاوى صحة إحدى الفرضيات عند معارضيها أم هل هي دعاوى تأسيس لهذه الدعاوى عند القائلين بها أم هل إن المعرفة تفكير  قائم الذات لمتكلم مع ذاته ؟

ويمكن هنا أن نصل بهذه المسألة مسألة أخرى فنسأل: هل إن الحوار والنقاش هو حواري عامة ؟ ذلك أن الحوار يمكن أن يعتبر مؤلفا من حديثين متوازيين للشخصين المشاركين في النقاش. وجواب هذه المسألة يكون جوابا بالإيجاب إذا اعتبرنا النقاش نوعا من التواصل واعتبرنا من ثم الحجاج كذلك تواصليا وذلك لأن التواصل لا يحصل إلا إذا كان التفاعل ممكنا. ومن ثم فيمكن أن توجد معرفة فلسفية على الأقل كنتيجة للحجاج أعني أن ينظر إليها على أنها النقاش الذي يمكن أن يقدم جوابا موجبا حول مسألة إمكان معرفة فلسفية قائمة بذاتها.

3.1.2-الحجة والأساس

إن النظرة إلى مفهوم الحجة مرتبطة كذلك بالنظرة إلى مفهوم الحجاج. والمفهوم من الحجة في اللغة العادية هو اعتبارها أساسا لدليل تستند إليه أطروحة. وبالنظر إلى أن الحجاج نظرة صورية فينبغي أن يكون القصد بالحجج تلك الأحكام أو القضايا التي هي غير الأطروحة وغير علامة الحجاج. ويمكن هنا أن نبني التحديد التالي للحجة-في الشكل العام الذي يكون “س” فيه حجة للحجة (=الأطروحة) “ط”. وليكن مجال تعريف “س” هو مجموعة الأحكام و(معها) الأفعال اللاكلامية ومجال تعريف “ط” هو مجموعة الأحكام و(معها) الأفعال اللاكلامية. ويوجد حجاج (تام) “ت” للأطروحة “ط” بحيث يصح أن يكون”س” جزءا من “ت” و لا يصح أن يكون هو الأطروحة “ط” كما أنه ليس هو علامة الحجاج على “ت” ( راجع لومر 1990 ص. 28). وفي هذه الحالة يشبه مفهوم الحجة مفهوم أساس الدليل ومن ثم يكون مفهوم الحجاج مماثلا لمفهوم الدليل.

فيكون الدليل العلمي دليلا يفهمنا صحة القضية وهو يكون ممكنا بالملاحظات التجريبية مثل التحقق كما نلاحظ ذلك في العلوم التجريبية أو يبنى بالاستنتاج المنطقي على مقدمات. وهذه الإمكانية الثانية يبينها لنا الدليل المنطقي الرياضي والحجاج الصوري ذو الاستنتاج المنطقي حيث تكون حقيقة إحدى القضايا مصحوبة في نفس الوقت بقابليتها للبرهان. ويتعلق الأمر هنا بالأدلة في الأنساق الصورية حيث المقصود بالدليل العودة إلى قضايا سبق البرهان عليها. فالرياضيات تنطلق من حقائق بسيطة معينة -في حالة الهندسة توجد حقائق مباشرة حدسية تعتبر أوليات-والقضايا الأخرى ينبغي ألا تكون مناقضة لهذه الأوليات.

وبصورة دقيقة فإن هذا النوع من الدليل لا ينجح إلا (ص.133) في نسق تبديهي من المعارف أي في نسق استنتاجي. فكل دليل منطقي رياضي هو بالطبع حجاج كذلك أي أنه حجاج صوري منطقي استنتاجي. لكن ذلك لا يعني أن كل حجاج هو أيضا بالضرورة على شكل دليل منطقي رياضي. فالأدلة هي منطقيا نهج تأسيسي يقيني والحجاج ليس هو كذلك في الغالب. فيمكن أن نقدم حالات لا يكون فيها الحجاج صحيحا أعني أنه يكون صحيحا منطقيا لكن الأطروحة تكون مع ذلك خاطئة. وهو ما لا يمكن أن يحصل فعلا لو استعملنا الأدلة المنطقية الرياضية (راجع لومر 1990 ص. 29).

والمقصود بالحجاج هو التأسيس. لكن ذلك لا يعني أنه علينا أن نجعل التأسيس موضوعا بوصفه دليلا منطقيا رياضيا. فالتوحيد بين التأسيس والدليل هو كذلك ما يؤدي إلى خيار منشهاوزن الثلاثي ومن ثم إلى نسخ فكر التأسيس عامة. ففي نظرية الحجاج التداولية ينبغي أن يكون المقصود بالحجة “أساس التأسيس أو أساس النقد” وكذلك الأساس الذي يمكننا من تأسيس البت أي البت في صحة دعوى أو في دحضها. ولا يصح لأداء هذه الوظيفة إلا الأساس الذي يقبله المحاور بهذه الصفة إذ ينبغي أن يكون حائزا على الاعتراف بالصحة المشترك بين الذوات. ولإيجاد مثل هذه الأسس عندنا نظرية مؤهلة للقيام بهذه المهمة. إنها نظرية التأسيس الأخير  ومهمتها أن تبين مثل هذه الأسس التي تكون بالنسبة إلى جميع المشاركين في الحجاج أسسا ليس لها ما بعدها أسسا يمكن أن تحقق الأساس المعياري لكل حجاج.
4.1.4- الحجاج من حيث هو موضوع (غرض بحث)

إن الحجاجات أدوات فنية لتحقيق أهداف محددة عملية أو تداولية. والمسألة الرئيسية بخصوص تحديد هذه الأغراض هي المسألة التالية: هل للحجاج علاقة باكتشاف الحقيقة أو بالتعرف عليها ؟ وتصورات الحجاج المتباينة تختلف بحسب الجواب على هذه المسألة.

وفي الحقيقة فإنه لا جدال في أن أغراض الحجاج المميزة هي التي تنتج عند المخاطب معرفة أن أطروحة ما أو خيارا يمكن أن يكون مقبولا. وبهذه المفروضة يمكن لنا أن نقسم أهداف الحجاج إلى الأهداف التالية:

ففي المقام الأول يكون الهدف حججا لتأييد أطروحة فيها نظر وهذا يعني أمرين: (أ) تدعيم صحة قضية ما يزال فيها نظر أعني البرهان عليها. (ب) أو تدعيم دعوى صحة إحدى العبارات في حالة وضعها موضع إشكال أعني تأسيسها.

والهدف يكون في المقام الثاني حججا تقنع المخاطب بقبول أطروحة فيها نظر أو الحصول من المحاور على الموافقة على قضية.

ويكون الهدف في المقام الثالث جعل المخاطب يعلم أن الأطروحة صحيحة.

ويمكن لنا في شكل تلخيص أن نقول إن الوظيفية المعيارية في الحجاجات هي “الإقناع العقلاني” (راجع لومر 1990 ص. 29-30) أو “تثبيت القناعة”. وليست المسألة إلا معرفة هل هذا الهدف يقبل التوحيد مع اكتشاف الحقيقة.  والجواب عن هذا السؤال يتبع التسليم بتحديد معين لنظرية الحقيقة تبعيته للتسلم بخصائص الحجاج الرئيسية. (ص.134). ويمكن أن نقول هنا ملخصين ما سبق إن هدف أي حجاج هو الجواب عن السؤال التالي: هل إن قضية أو خيارا أو رأيا أو قناعة هل إن أيا  من ذلك يمكن أن يقبل أم لا؟ وعلى الحجاج أن يبين أن القضايا موضوع السؤال أو الدعاوى أو الآراء أو القناعات قابلة للقبول أو للدحض.

إن الأطروحة التي يدور عليها الحجاج يمكن اعتبارها حكما. وفي هذه الحالة نحاجج من أجل حكم والأحكام في الحجاج ينبغي أن تتأسس حجاجيا. وهي في أفضل الأحوال أدوات لحجج استنتاجية تحتاج إلى تأسيس. وفي هذا النوع من الحجاج تكون الأطروحة مستنتجة منطقيا من مجموعة من المقدمات.  ويصح القول إن القضايا والجمل وأفعال الكلام واحترام القواعد والأعمال واحترام دعاوى الصحة ليست كلها موضوع حجاج بل إنما هي مجرد أحكام. فينتج من ثم أن قابلية التأسيس بالنسبة إلى حكم ما هي اعتباره حقيقة أعني أن التأسيس الاستتناجي لحكم ما تتمثل في تأسيس حقيقته (راجع نفسه ص.141-150).

إن الحجاج الاستنتاجي (راجع لومر 1990 ص.180-208) يتقوم على الأقل من حكمين مع علامة الحجاج. وعلامة الحجاج تعرف أحد الأحكام بكونه الأطروحة وباقي الأحكام بكونها الحجج. وأطروحات الحجاج الاستنتاجي تسمى نتائج والحجج مقدمات. ولا يكون الحجاج الاستنتاجي صحيحا إلا إذا تحقق شرطان: إذا كانت المقدمات يلزم منها منطقيا النتيجة وإذا كانت المقدمات صادقة. وتلك هي معايير صحة الحجاج الاستنتاجي. وكل الحجاجات الاستنتاجية تستعمل معيارا معرفيا مبدأ للمعرفة إنه المبدأ الاستنتاجي للمعرفة. ومن ثم فالحكم يكون صادقا إذا لزم عن أحكام صادقة لزوما منطقيا.

وهكذا إذن فإن أصناف الحجاج تتمايز عند تسلم مبدأ معين للمعرفة. فالحجاج الاستنتاجي يتميز عن كل الحجاجات الأخرى حسب رأي ممثل هذه الإستراتيجية الحجاجية في المسألة المهمة كذلك  أي إنه الحجاج الوحيد ذو البرهان الملزم. ذلك أن صحة الحجاج غير الاستتناجي لا تضمن موضوعية الحقيقة بالنسبة إلى الأطروحة بل هي تضمن مقبوليتها لا غير. والحجاج الاستنتاجي الذي يسمى حجاجا منطقيا كذلك يعتمد على علاقات أقيسة استنتاجية تستعمل في الحجاجات الاستنتاجية. ونظرية الحجاجات الاستنتاجية ليست إلا نظرية الاستعمال الحجاجي لمثل هذه الأقيسة لا غير. والقياس المنطقي لا يكون صحيحا إلا بشرط أن تكون مقدماته صادقة وحسب القواعد التي يخضع لها استعمال علامات العمليات المنطقية التي توجد في المقدمات والنتيجة وبشرط أن تكون النتيجة صحيحة كذلك. ونفس الأمر ينطبق على (شروط) الصحة بالنسبة إلى الحجاج (راجع نفسه ص.185).

إن النظرة إلى الحجاج الاستدلالي تتبع االمسلمات الإبستمولوجية الأساسية. وأول هذه المسلمات أن يكون مبدأ النهج المعرفي اللساني المؤسس هو التحقق. والثاني أن يكون هدف المعرفة الوصول إلى تصديق إيماني (=عقد) صادق وأن تكون حصيلة التحقق السوي كذلك تصديقا إيمانيا صادقا. (ص. 135).  ويعترض ممثلو نظرات الحجاج ذات الميل التداولي أو الحواري (هابرماس على سبيل المثال) على الحجاج الاستنتاجي والبرهان الاستنتاجي بأن موضع الحجاج هو دعوى الصحة المتعلقة بالحقيقة والصحة والصدق وأن هدف الحجاج هو بالأحرى مساندة الأطروحة التي هي موضع سؤال وليس البرهان على صدقها. والحجاج بواسطة الدليل على صدق الأطروحة ليس إلا إمكانا من عدة إمكانات تتعلق بكيفية تأسيس أحد الإثباتات أو بكيف يمكن أن نصل إلى قبول الإثبات الذي هو موضع سؤال.

 5.1.2- تداولية الحجاج[21].

يوكد ممثلو نظرية الحجاج التداولية على أن الحجاجات على عكس الأقيسة المنطقية نهج تداولي. فالحجاج شكل من العمل اللغوي. ومن ثم فالنظرية الحجاجية ينبغي أن نتصورها منطقا للتفاهم التواصلي منطقا يجعل قواعد هذا العمل اللغوي موضوعا له (يغرضنه). فيكون على هذا المنطق أن يبين الأساس المعياري للكلام الحجاجي. ويمكن أن يفهم مفهوم”تداولي” في صلته بالحجاجات عدة فهوم مختلفة:

1-تداولي بمعنى “مرتبط بالعمل” والحجاجات هي بدورها أعمال (أعمال لغوية). وهي لا تصبح كذلك إلا بعد أن تكون قد صارت أعمالا كلامية تكون خصائص الحجاج تابعة لها. ومن ثم فإن الحجاجات مثلها مثل أفعال الكلام قابلة أن تجعل موضوعا (للمعرفة).

2-تداولي بمعنى “قابل للتأسيس العملي”.

3-تداولى بمعنى “عمومي”. فالحجاجات يمكن أن يتلقاها غيرنا فتنعقد في نظام من التواصل.

4-تداولي بمعنى “تواصلي” أي “تفاعلي” فيكون الناس قابلين للتأثر بالحجاج.

5-تداولى بمعنى “حواري” والحجاجات نقاشات يتم خلالها التواصل بين الكثير من المتكلمين (راجع لومر 1990 ص. 297).

2.2-نظرية الحجاج التداولية المتعالية[22]

الحجاج المتعالي هو عامة الحجاج الصالح لتأسيس قواعد الحجاج (قواعد التأسيس والنقد) وذلك بتحرير المسألة المتعالية حول الشروط القبلية لإمكان الحجاج وصحته. فينشأ هنا دائما نوع من الدور (المنطقي) ذلك أن الحجاج لـ(ـتأسيس) قواعد معينة للحجاج يستعمل نفس تلك القواعد التي يسعى لتأسيسها لأن ما يعرفه المحتج هو القواعد ذاتها التي يحتج لصحتها. (ص. 136). فيمكننا بذلك أن نعتبر خاصية الحجاج المتعالي خاصيته المميزة هي أنه مصادرة على المطلوب. لكن مثل هذا التأويل أساسه سوء فهم للنزعة المتعالية. (ولتجنب هذا الفهم السيء) لا بد من أن ندخل في الاعتبار هنا المسعى المتعالي الذي تتضح خلاله قواعد الحجاج العقلي بتفكر متعال قواعده التي هي أمر معترف به دائما عندنا وعند غيرنا من المشاركين في الحجاج. ذلك هو جماع المسألة  الجوهرية  في الفلسفة المتعالية.

إن الأطروحة الرئيسية والمنطلق في النظرية التداولية المتعالية للحجاج هي الأطروحة القائلة إن وضعية الجدال ليس لها ما وراء يؤسسها: “لا يمكننا أن نجادل في القواعد والمفروضات التي ينبني عليها الحجاج ذو المعنى مجادلة ذات معنى دون أن نقع في تناقض” (كولمن 1985ص.106). وأود في المقام الأول أن أشرح المقصود بوضعية الجدال وتلك القواعد والمفروضات التي للحجاج ذي المعنى والتي لا يمكن أن نجادل فيها جدالا ذا معنى. وهنا نحتاج إلى نظرية فلسفية في الحجاج. ويمكن الوصول إلى مثل هذه النظرية التي تدور حول حجة التأسيس الأخير:  فأصحاب التداولية المتعالية يريدون بتصورهم للتأسيس التفكري الأخير الوصول إلى نظرية فلسفية في الحجاج وفي التفلسف في آن.

ويريد أصحاب نظرية الحجاج هذه أن يبحثوا في علم العمل الذي للمحاجة من حيث هي عمل كلامي. والمقصود بعلم العمل هذا العلم الذي علينا حتما أن نفترضه مسبقا عارضين ومعارضين (فيكون السابق دائما) إذا كنا نريد أن نكون قادرين على الحجاج ذي المعنى بوصفنا مشاركين فيه مشاركة ذوي الكفاءة. فمن دون هذا العلم بالحجاج ما كان لنا أصلا أن نتمكن من القيام بحجاج ذي معنى. والأمر الجوهري من المعارف التي ينبغي أن نؤكد على ضرورة توفرها في من يشارك في الحجاج يعود إلى المعارف التالية:

1-المعرفة بمجالات النحو والدلالة والتداول وإستراتيجية الحجاج والخطاب المتمكنة من أفعال الكلام وأخيرا إستراتيجية العمل الشاملة لمجالات الحجاج والتواصل.

2-المعرفة بعلاقات الاختصاص الموضوعي بين العناصر التي تكون في كل حالة منتسبة إلى أحد المجالات المختلفة  وكذلك علم العلاقات بين مجالات العلم المختلفة المشار إليها أعلاه والعلاقات النسقية الموضوعية وكذلك علم ما نعلم من أبعاد اللغة المختلفة ومن العلم العملي (فليست كل قضية تناسب كل جملة إنشائية ولي كل نوع من أفعال الكلام يناسب كل إستراتيجة تواصل أو إستراتيجة حجاج).

3-المعرفة بإمكانيات استعمال العناصر الجزئية داخل الأبعاد المختلفة لعلم اللغة وللعلم العملي في المقام الأول ثم كذلك لعلم الأبعاد التي لمجالات مختلفة بكاملها وأكثر من ذلك لعلم استراتيجيات معينة للحجاج وللكلام وأخيرا لعلم الحجاج والتواصل عامة (راجع كولمن 1985 ص.113-114).

إن هذا العلم النظري بالحجاج علم من النوع الذي يكون مبدئيا وبصورة جملية مفروضا بصورة ثابتة عند كل من يشارك في الحجاج. وعندما لا يكون (ص. 137) مثل هذا العلم قابلا لأن يكون مفروضا عندنا أو عند محاججنا فإنه لا معنى لبداية الحجاج (راجع نفسه ص.114). وعندما لا يفرض المحاجج هذا العلم العملي في وضعية حجاج معينة فإن الوضعية الحجاجية تكون غير موجودة بعد. ومن ثم فوضعية الحجاج تقبل التعريف بهذا العلم بل إن أصحاب التداولية المتعالية يجزمون أن المعرفة العملية النظرية بالحجاج هي دائما جزء سابق من بنية الحجاج القبلية المعترف بها. وهذه الصفة “ما من الأمر هو سابق دائما” تبين لنا أن هذا العلم العملي النظري شرط في الحجاج أي في إمكانية الحجاج ذي المعنى وفي الاعتراف بصحته. وهذا العلم من مقومات الحجاج وهو شرط إمكان لأعمال اللغة ولمفروضات العمل وللتناسق العلمي (راجع نسه ص.118-119).

ويتعلق الأمر في علم العمل بالعلم العملي الذي للحجاج والتواصل. ولا بد هنا من إضافة وعي تواصلي قبلي مصاحب يكون مسؤولا عن إستراتيجية الكلام علم عملي مصاحب حول الحجاج ينبغي أن يكون مثل “أنا أفكر” الديكارتية التي ينبغي أن تصحب كل تمثلاتي (علم عملي) مصاحب  لكل أعمالي اللغوية إذا ادعيت لها منزلة الكلام الحجاجي. ويقبل الجواب الذي يقدمه أصحاب التداولية المتعالية إعادة الصوغ بحسب الخطوات التالية. فعلينا أن نعترف أولا بأن كفاءتنا الحجاجية وبالتالي علمنا العملي كذلك يقبلان التجويد. ومن ثم فلا بد من التمييز بين المجال المركزي والهوامش في نظرية الحجاج أي في العلم العملي للحجاج. فعناصر الهامش تقبل دائما المراجعة النقدية ذات المعنى أما عناصر النواة المركزية ذاتها فإنها ينبغي أن تسلم في النقد ومن ثم فهي بصورة مبدئية غير قابلة للنقد. (النواة المركزية تقدم لنا المركز الصلب لنظرية الحجاج).

ويمثل هذا المجال المركزي شروط الإمكان والصحة الضرورية للنقد ذي المعنى. ومن شروط إمكان الحجاج ذي المعنى كما سبق أن أشرنا جماعة حجاج وقواعد تكون هذه الجماعة. وليس من شك في أننا نستعمل هنا حجة “أنت أيضا” tu quoque لنبين أن من يجادل في قواعد الحجاج يكون دائما وبصورة مسبقة قد اعترف بهذه القواعد وهو يستعملها للجدال فيها. وينبغي لهذا الحجاج إذن أن يبين التناقض الذي يقع فيه دائما كل من يريد أن يجادل في قواعد الجدال (أي إنه في الحقيقة يحاول أن يجادل في ما يسلم به هو ذاته). (ص.138).

1.2.2-الحجاج بوصفه تعاونا[23].

تقبل قواعد الحجاج في معناها الأوسع من حيث هي قواعد تكوُّن الجماعة التواصلية أن توصف بكونها معايير خلقية تلزمنا بالإجماع في المسائل النظرية. ويعتمد ذلك على كون الحقيقة واليقين وتجنب التناقض وكذلك الإجماع العقلي من الهموم التي يطلبها المحاجج. ولهذه العلة بالذات كانت قواعد الحجاج هي قواعد التعاون. فلها مضمون خلقي. ومن حيث هي كذلك فهي ملزمة لأعضاء الجماعة التواصلية بإطلاق. فنحن ملزمون بوصفنا محاجين بالتعاون مع المشاركين الآخرين في الحجاج: ” إن الحجاج شكل من التواصل وهو تواصل (…) غير ممكن من دون تعاون. وعلى سبيل المثال فمن يجزم بشيء يعرض التعاون على مخاطبيه” (كولمن 1985 ص.196-197) “ولن يحصل التواصل والحجاج إلا إذا نتج عن هذا العرض شيء من التعاون بنحو ما أي إذا قبل المخاطبون المشاركة مع العارض. أما إذا تجاهل المخاطبون العرض فلن يحصل شيء” (نفسه). ويتعلق الأمر هنا بالتعاون بين مشاركين متساوين في الحقوق. فلكل مشارك نفس الحق في المعارضة وقطع مواصلة الحجاج أو المطالبة بمواصلته وطرح الأسئلة والاستناد إلى التأسيس إلخ… (راجع نفسه ص.198).

2.2.2- أخلاق التواصل أو أخلاق الحجاج[24]

إن نظرة الحجاج تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك تذهب إلى أخلاق معيارية. فمفروضات الحجاج وقواعده وآراء المتحاجين بعضهم في البعض كل ذلك ينتسب إلى المعايير الخلقية ومبادئ أخلاق معيارية. والمعيار الأكثر أساسية هو المعيار القائل إن الحجاج يكون عقلانيا :” عندما نريد حقا وبصورة جدية معرفة شيء  وعندما نكون حقا مهتمين بحل مشكل ما. فعندها نستطيع أن نحاج عقليا ونكون مجدين للوصول إلى الحق الصحيح لأنه لا وجود لبديل عن ذلك” (فنك 1981 ص.60). وهذا المعيار يمكن لنا حقا أن نعطيه شكل الأمر القطعي:”حاجج حجاجا عقليا!”. وهذا الأمر القطعي ينبغي أن يكون إرادة الحجج التي ليس لها ما بعدها إرادة ما يتراءى فيه الحجاج العقلاني. فعلى السؤال الكنطي:”ماذا نريد أن نفعل؟” وما يتعلق به الأمر الآن الجواب التالي:”نريد أن نحاج حجاجا عقلانيا”.

والمعيار الموالي في أخلاق الحجاج هو هذا المعيار:” إذا كنا مهتمين جديا بحل أحد المشاكل فينبغي أن نسعى جادين من أجل الوصول (ص. 139) إلى حل عقلي يمكن أن يوافق عليه الجميع”. ويتمثل هذا المعيار في الالتزام بالسعي إلى الحلول التي لها القدرة على تحقيق الإجماع. ومن حيث هو كذلك فهذا المعيار ينبغي أن يعتبر لب أخلاق التواصل. وأخلاق التواصل هذه المقصود بها سلطة تنظم البشر العاملين بعضهم مع البعض. فالإجماع يعني هنا أنه لم يعد أي مبرر لتناقض قابلا لأن يثار. وينبغي لكل محاجج أن يسعى إلى مثل هذا الحل وأن يشرئب إلى إجماع عقلي. وعليه كذلك أن يعتبر مبدأ تجنب التناقض مبدأ ملزما بإطلاق أعني أن يسلم بأنه مبدأ لا يمكن الذهاب إلى ما هو أبعد منه.

والحجاج يعمل بإثارة دعاوى صحة ومحاولة الدفاع عنها. وهو نوع من العمل التواصلي. إنه تفاعلي لأنه عمل جماعي أعني أنه تعاون. فينتج من ثم أن قواعد الحجاج قواعد تعاون وهي ليست ذات مضمون خلقي إلا بهذه الصفة. فمن يجزم بأمر يقدم بذلك لمخاطبه عرض تعاون. لكن التواصل والحجاج لا يبدأ إلا إذا شرع (المتكلم) في تعاون ما حول ذلك العرض أي إلا إذا شارك المخاطب مشاركة ما:” فمن حيث نحن محاجين بجد نكون ملزمين بالتعاون فيعتبر كل منا أن للآخر نفس الحق في أن يُعترف له من حيث هو مشارك في الحجاج بالقدرة على معرفة الحقيقة وعلى المسؤولية وأن يعامل على هذا الأساس” (نفسه ص.65). إن أي نظرية حجاج تداولية متعالية تستند إلى نهج التفكر المتعالي وتكون شروط الحجاج المعيارية من حيث هي شروط خلقية لجماعة حجاج قابلة للمراجعة وتكون إلزامية هذه المعايير–ما هو دائما ضروري مسبقا”-مؤسسة على حجة “أنت أيضا”. ويمكن لعودة التداولية المتعالية التأملية عودتها التي تميزها إلى مفروضات الحجاج أن تتجه وجهتين:

فمن حيث هي عودة تؤدي إلى مفروضات الوجوه المنطقية النظرية للحجاج ينبغي لها أولا أن تحصل على المبدأ الأساسي الذي يجنب التناقض النظري ومن ثم كذلك على أساس الالتزام بالسعي للوصول إلى إجماع عقلي حول المسائل النظرية.

ومن حيث هي عودة تفكرية إلى مفروضات الوجوه الخلقية للحجاج ينبغي لها ثانيا أن تكون عودة إلى المبدأ الأساسي كذلك لتجنب التناقض العملي ومن ثم عودة إلى واجب الإجماع العقلي في المسائل العملية (راجع نفسه ص.65). (ص.140)

3.- غاية التاسيس التفكرية

1.3- نظرية العقلانية[25]

إن فكرة غاية التأسيس التفكرية من حيث هي اللب النسقي للفلسفة التداولية المتعالية ونظرية العقلانية (الفلسفية) نظريتان مترابطتان حميم الترابط وكلتاهما تابعة للأخرى قوي التبعية. فأفكار التداولية المتعالية حول عقلانية الفلسفة يعدها صاحبها من جهة أولى الخلفية العريضة لنظرة التأسيس الأخير.  وهو يرى من جهة ثانية أن نظرة معينة للعقلانية وبالتالي للفلسفة كذلك تستمد شرعيتها من فكرة غاية التأسيس. كما أن موقف أبل الفلسفي (ومثله موقف بوبر) يقبل الوصف بكونه عقلانية فلسفية ترفض اللاعقلانية رفضا باتا وهو لا يريد إطلاقا أن يحد بأي حد من دعاوى العقل أي دعاواه صوغ العالم صوغا عقليا (عقلنته).

ومن التقاليد تعريف اللاعقل دائما بكونه حدا للفلسفة حدا يبين أن جهود الفلسفة في التفسير والفهم غير كافية. ف”الرب” أو “العالم” أو “النفس البشرية” اعتدنا على اعتبارها مسائل حدية للمعرفة الفلسفية العلمية لا تقبل الحل أبدا وهي بصورة مبدئية غير قابلة للفهم العقلي. ومن الأمثلة على مثل هذا الحد من العقلانية ما يبينه لنا حد كنط المميز حده للمعرفة العقلية بواسطة مفهوم الشيء في ذاته لأن هذا المفهوم هو أمر ينبغي أن يوصف بكونه غير قابل للمعرفة بصورة مبدئية. ويعتمد هذا الحد على التسليم بأنه يوجد شيء لا نستطيع علمه علما عقليا أو لا نستطيع فهمه. وقد سمح بمثل هذا الحد الموقف التقليدي المجادل في العقلانية عامة. ذلك أنه إذا لم يكن كل شيء قابلا للفهم العقلي فإنه يمكن للإنسان أن يتساءل عن المعنى الذي يمكن أن يكون لصبو الإنسان إلى العقلانية أعني الفهم العقلي للعالم عامة.

وإنطلاقا من هذا التأمل المتسائل يصادر أبل على أنه ” توجد علاقة باطنية (…) بين العقل وكل أمر يُعلم” (أبل 1986 ص. 7). ومن ثم فإمكانية الفهم العقلي للعالم لا حد لها. إن الجدال في العقلانية الجدال الذي يميز الفلسفة منذ أمد طويل يعني كذلك نسخ القول الفلسفي الذي يدعي صحته الكلية عنايته الحد من الفلسفة وحصرها في مجالات جزئية من الواقع والوجود الإنساني وكذلك تنسيب معايير العقلانية الأوروبية (راجع أبل 1984 ص. 16).

ومن نتائج ذلك نقد شامل للعقل. وطبعا فالعقل ليس سلطة معصومة في الفلسفة وهو ليس سلطة غير قابلة للنقد. ونقد العقل  بمعنى نقد العقل لذاته كما في كتاب كنط “نقد العقل الخالص” من مهام الفلسفة الدائمة. لكن المعتاد بنقد العقل هو المقصود بالنقد الموجه إلى العقل بإطلاق وإلى العقلانية عامة (وليس نقدا لعقلانية معينة). ولذلك فإن مثل هذه النقد للعقل لعله لم ينجح إلا لأنه دائما ينقد بوصفه مجرد (ص. 141) نظرية عينية من العقلانية أي من تصور العقل. ومن ثم فإنه يصح أن نضع نظرية في أصناف العقلانية وتصورات جديدة للعقل من حيث هي جواب ممكن على تحدي النقد الشامل للعقل.

1.1.3- منزلة العقلانية.

ليست العقلانية عند أبل صفة مميزة للعقل الإنساني إذا كان القصد بالعقل الإنساني ملكة الفكر النفسية بل العقلانية هي بالأحرى صفة مميزة لعقل نتصوره ناطقا. لذلك فهي مميز التواصل اللغوي للبشر فيما بينهم.  ومن ثم فإنه بوسعنا أن نوحد بنحو ما بين نظرية العقلانية ونظرية الحجاج التداولية المتعالية وذلك لأننا فيها نتكلم على تواصل عقلاني (عقلي). وهذه النظرية تعتمد على أطروحتين أساسيتين:

1-وضعية الحجاج العقلاني ليس لها ما بعدها يُرجع إليه.

2-الحجاج المفيد أو ذو المعنى (العقلاني) لا يكون ممكنا إلا في إطار جماعة تواصلية لا محدودة وبعلاقة معها.

وهاتان الأطروحتان يمكننا أن نطورهما لتصبحا نظريتين أساسيتين في نظرية العقلانية:

1-العقلانية أمر ليس له ما بعده عند البشر لأنهم بالطبع محكوم عليهم بالعقلانية.

2-وحيز العقلانية هو التواصل الإنساني والتواصل يعتمد على إمكانية كون الإنسان عاقلا وليست جماعة التواصل ممكنة إلا على أساس هذه الإمكانية.

إن نظرية الحجاج في حالة التدوالية المتعالية متحدة مع أخلاق معيارية وذلك لأن قواعد الحجاج هي في نفس الوقت المعايير الخلقية الأساسية إذ إن القواعد والمعايير التي تنتسب إلى شروط إمكان الحجاج المفيد ذات دلالة خلقية وذلك لأنها تحيل إلى العلاقة بين الذوات العاملين معا أو المتعارضين. وأول معايير هذه الأخلاق ينبغي أن يكون المصادرة على كون إرادة العقلانية لا يمكن تجاوزها إلى ما يعلو عليها “(…) والأمر الأول هو ما يلي: لا نستطيع الرجوع إلى أمر وراء إرادة الحجاج عقلانيا” (كولمن 1985 ص.184). وهذه الإرادة الخيرة معيار أو أمر قطعي بصورة الأمر القطعي:”حاجج حجاجا عقلانيا!” كما سبق أن أشرنا. وهذا المعيار كلي الإلزام وشامله ومطلقه. ومن حيث هو كذلك فهو من لب الأخلاق.

ويسمح لنا هذا بأن نستنتج أن التداولية المتعالية تعطينا تأسيسا خلقيا لخيار العقلانية الجازم. فالعقلانية ذات دلالة خلقية لأنها لا يمكن أن تظهر إلا خلال التواصل بين البشر. ولا يمكن لنا أن نصف عملا بكونه عقلانيا إلا إذا كان عملا يجعل التواصل بين البشر ممكنا. وكون المرء عقلانيا وكونه يتواصل مع الغير عقلانيا يحددان موقفا خلقيا لا يمكن للبشر أن يذهبوا إلى أمر وراءه لأن الخيار (ص.142) ضد العقلانية يعني  في نفس الوقت خيارا ضد التواصل مع الآخرين.  وتبين هذه التأملات كلها تطابقا بين نظرية العقلانية ونظرية الحجاج والأخلاق وأنها ثلاثتها تقبل خاصيات مميزة تستند إلى معايير مشتركة بينها.

 
[1]  تعليق المترجم: كنت أفضل أن أسميها  الوسميات (أي علم الأوسام قياسا على الالهيات والرياضيات والطبيعيات إلخ..) لمطابقة دلالة السمة العربية دلالة الأصل اليوناني للمصطلح: فكلتا المفردتين تعني في المقام الأول الأثر الباقي من الختم سواء كان بكي الحيوان بالميسم كما عند العرب أو بأي ختم آخر كما عند اليونان. والمعلوم أن السمة صارت تعني في العربية الخاصية المميزة ومن ثم الدالة على ما تميزه. وقد اتسعت مشتقاتها فشملت أفعال المعرفة  التأويلية والتوقعية كما في التوسم ومعاني رمزية أبعد غورا  في الجماليات كما في معنى الوسامة وفي الدلالة الاجتماعية أو حتى دلالة المشاعر الدينية كما في المواسم إلخ…. لكن القارئ العربي قد يستغربها. لذلك فنحن نوردها مرة واحدة ونترك الأمر للمستقبل. ذلك أن كلمة الرمز والعلامة قد استهلكتا ولا تؤديان المعنى الحقيقي للمصطلح بمعناه عند بيرس جمعا لكل معاني الرمز من اللاعلمي إلى العلمي وخاصة الرمز اللغوي بوصفه ما يتحدد بالعلاقة الثلاثية التي يتعلق بها البحث بها: فالاسم الذي هو مادة اللغة الخام مشتق من السمو أومن الوسم أو منهما معا بحسب الحالات.

[2]  تعليق المترجم: تجنبا للتعسير فضلت الإبقاء على مصطلح ألعاب لغوية رغم خلوه من الدلالة المقصودة في العربية. فليس المقصود المعنى التقليدي للعب بل المقصود طواعية الأبنية اللغوية التي تمكن المعنى من سيلان لا يتمكن التحديد المنطقي الإمساك به أعني جوهر الفرق بين اللغة الطبيعية والعادية واللغة الصناعية والمنطقية. وكنت أفضل أن استعمل الطواعية اللغوية لكن ذلك كان يمكن أن يؤدي إلى سوء فهم. ففضلت الإبقاء على مصطلح فتجنشتاين وأضافة هذا التنويه.

[3]  راجع لتأويل الفلسفة المتعالية التقليدية بتنر 1974 ص.1528-1539.

[4]  للمزيد حول هذه المسألة راجع ف. كولمن ما الذي يترجم الآن عن فلسفة من نوع فلسفة كنط ؟ الوارد في:(نشرة) منتدى من أجل الفلسفة: الفلسفة والتأصيل فرنكفورت على نهر الماين 1987 ص. 84-115 (كومن 1987).

[5]  تعليق المترجم: المصطلح الأهم في هذه العبارة هو الكلمة الأخيرة التي تعني الوعي بالوعي المصاحب لكل وعي ومن ثم القائم بفعل التأليف المتعالي وهو عين مبدأ وحدة الوعي. وكل ذلك تشتمل عليه هذه العبارة التي ننقلها بنصها لأنها أهم إبداعات كنط  Die Einheit des Bewusstseins in der transcendentalen Synthesis der Aperception.

[6]  إن أصناف الإرجاع الممكنة من حيث هي تصنيف للمواقف الفلسفية الأساسية تتضمن ستة أنواع من خطأ الإرجاع المعرفي:

 1-فعندما لا تجعل الفلسفة موضوعا لها إلا الذات العارفة (اا) وتجرد الموضوع من الله (ا) ومن الواقع الموصوف (ااا) فإننا نحصل على (فلسفة) مثالية الوعي.

2-ف اا و ا من دون ااا ترسم مثالية تنتسب إلى علم العلامات الرمزية

3- و ااا من دون ا واا ترسم مادية واقعية

4- وااا واا من دون ا ترسم واقعية انفعالية

5- و ااا وا من دون اا ترسم واقعية وجودية منتسبة على علم العلامات الرمزية.

6- وا من دون اا و ااا ترسم أفلاطونية ذات نموذج لساني (راجع أبل 1974 ص.287).

(تعليق المترجم:  Reductive fallacy  المصطلح بالانجليزية والمقصود به خطأ في الحكم الناتج عن مغالطة استدلالية خلال السعي إلى تحديد طبيعة ما تدركه المعرفة خطأ يرجع موضوعات الإدراك إلى انفعالات ملكات المدرِك)

[7]  راجع ك. أ. أبل إعادة صوغ العقل بفضل تحويل الفلسفة المتعالية (مقابلة صحفية) وردت في كنكورديا 10 سنة 1986 ص.2-25 (أبل 1986).

[8]  أنظر ك. أ. أبل نحو فكرة في تداولية لسانية متعالية ورد في (نشرة) ي. سمون”وجوه فلسفة اللغة ومسائلها” فرايبورج |منشن 1974 ص. 283-326 (أبل 1974) وكذلك ك. أ. أبل ملاحظات تمهيدية نحو فكرة تدولية لسانية متعالية ورد في (نشرة) كارل ه. هادرش: علم العلامات والتواصل أمستردام | لندن 1974 ص.81-108 (أبل 1974 أ).

[9]  أنظر ك. أ. أبل الطابع المنطقي للغة الإنسانية ورد في (نشرة) هـ. ج. بوسسار: مناظر على اللغة برلين |نيويورك 1985 ص.45-87 (أبل 1986 أ).

[10]  راجع ك. أ. أبل ” تحويل بيرس فلسفة كنط بعلم العلامات” الوارد في تحويل الفلسفة الجزء الثاني (أبل 1973 ص.164-177) وكذلك أبل 1974 وأبل 1974 أ.

[11]  راجع ك. أ. أبل ” العلموية أو التأويل المتعالي ؟” نحو مسألة الذات التي تؤول الرموز في علاماتية التداولية” الوارد في تحول الفلسفة الجزء 2 ص. 178-219 (أبل 1973).

[12]  راجع ف. كولمن الجماعة المتواصلة كشرط إمكان لحجاج ذي معنى ورد في (نشرة) ف. كولمن  | د. بولر: التواصل والتفكر فرنكفورت على نهر الماين ص.159-190 (كولمن 1982) ف. كولمن جماعة التواصل كشرط إمكان للحجاج ذي المعنى ورد في ف.كولمن: تأصيل الغاية التفكري فرايبور|منشن 1985 ص.145-180 (كولمن 1985).

[13]  تعليق المترجم: لا أرى داعيا للمزيد “تلفظ” فضلا عن كون ذلك بات يعني الحصر في حصر اللفظ في الألفاظ اللغوية. وإذا استعمل لفظا في معناها المصدري فالقصد هو مجرد التفوه دون تعيين مستثنيا المعنى الاسمي الذي يتقصر على التلفظ الذي يسلم به بكونه لغويا. وبهذا المعنى فالمصدر يجمع على  على لفوظ لا على ألفاظ. وبذلك يمكن التمييز بين المفردة الملفوظة وفعل اللفظ الذي تنتج عنه الالفاظ. والكلمة الألمانية تعني إخراج العبارة أو الألفاظ وهو القصد باللفظ مصدريا في العربية: كالحال عندما نتكلم على ما يلفظه البحر من أشياء. وهذا التمييز ضروري وإلا لكان كل لفظ مفردة لفظية ذات معنى لغوي في حين أن القصد أن ذلك لا يحصل إلا بشروط تميز اللفظ الذي يكون لفظا لغويا عن اللفظ الذي لا يكون بالضرورة لغويا إذ يمكن أن يكون مجرد تصويت.

[14]  راجع ك.أ. أبل قبلي جماعة التواصل ومبادئ الاخلاق الأساسية الوارد في: تحويل الفلسفة الجزء الثاني فرنكفورت على نهر الماين 1973 ص. 358-436 (أبل 1973).

[15]  راجع ك.أ. أبل ” النموذج الجديد لتحديد خصائص النطق (=اللجوس): حصائل نظرية فعل الكلام في النظرة التداولية المتعالية” فصل من: تحديد خصائص النطق (=اللوجوسي) للغة الإنسانية الوارد في (نشر) ه.ج.بوسشارت: مناظير في اللغة برلين نيويورك 1986 ص.45-87 (أبل 1986 أ).

[16]  راجع الفصل 2.2 من كتاب  ك.أ. أبل “المميز النطقي (اللوجوسي) للغة الإنسانية” (أبل 1986 أ ص.66-71) وكذلك “نظرية الأفعال اللسانية والتداولية اللغوية المتعالية نحو مسألة المعايير الخلقية” الوارد في (نشر)أبل ك. أ. : التداولية اللسانية والفلسفة فرنكفورت على نهر الماين ص.10-173 (أبل 1976 ب).

[17]  تعليق للمترجم: لا بد هنا من الإشارة إلى أن مصطلح “قضية” لا يؤدي المعنى المقصود. لكننا نريد احترام التقاليد الاصطلاحية. فالقضية صارت تعني في المصطلح العربي معنى proposition  رغم كونها اسم مرة من قضى أعني أنها مرادفة لحكم. وطبعا فكلاهما يفترض الأمر المحكوم فيه مع الحكم وهو المقصود بالمصطلح الأجنبي. فيكون أفضل مصطلح يؤدي المعنى الجامع بين الحكم أو القضية بمعنى العملية الفكرية التي تخبر بحال الأمر المقضي أو المحكوم فيه هو الخبر. فالخبر هو في نفس الوقت الجملة الخبرية التي يصح فيها التكذيب والتصديق وهو مضمون ذلك الخبر بصرف النظر عن صدق الجملة المخبرة أو كذبها. لكني لا أستعمل الخبر لغلبة معناه كجملة مخبرة عن معناه كحدث تخبر عنه الجملة وهو ما يضعنا أمام نفس الحالة في مصطلحي قضية وحكم الذي يغلب عليهما فعل الفكر أو مفعوله على ما يتعلق به الأمر فيه.

[18]  نعليق المترجم: الحقيقة هي مطابقة القضية لموضوعها الذي تقضي فيه وهو الصدق بمعنى مطابقة القول للمقول فيه والسلامة المعيارية للصوغ الإنشائي تعني أن فعل القضاء صادق أيضا أي إن صاحبه يخبر بحال عقده في نفسه كذلك وليس بحال مطابقة قوله لمقوله فحسب.

[19]  راجع في مسألة العلاقات بين المنطق ونظرية الجدل ش. لومر نظرية الحجاج العملية براونشفايق|فيسبادن 1990 (لومر 1990).

[20]  تعليق المترجم: نميز في هذا العمل بين الوجودي بمعنى      existentiel والأيسي بمعنى     ontologisch حتى نتجنب الخلط بين النسبة إلى المذهب الوجودي والصفة الأنطولوجية للأمور التي نتكلم عليها. كما نمير بين الأيسي ontologisch والمتأيس ontisch    عملا بالمقابلة المناظرة بين الوجودي والموجودي لو أبقينا على استعمال كلمة وجود بمعنى أيس لا بمعنى المذهب الوجودي.

[21]  راجع فصل “تداولية الحجاج” من كتاب لومر 1990 (ص.297-318).

[22]  راجع في مسألة نظرية الحجاج التدوالية المتعالية الفصلين الثاني والثالث من كتاب ف. كولمن التأسيس الأخير التفكري ص.52-124 (كولمن 1985).

[23]  راجع بخصوص الترابط بين الحجاج والتعاون 23.5 (الحجاج بوصفه تعاونا: الالتزام بعلاج المسائل العملية للتعاون في الخطاب علاجا إجماعيا) الوارد في كتاب ف. كولمن: التأسيس الأخر التفكري ص.195-199 (كولمن 1985).

[24]  راجع “أخلاق التواصل” الوراد في كتاب ف كولمن التأسيس الأخير التفكري ص. 181-253 (كولمن 1985) وكذلك مواد للفلسفة العملية التي للزملاء الإذاعيين| أخلاق (نشر) المعهد الألماني للدراسات عن بعد في جامعة تبنجن: رسالة الدراسة المصاحبة 8 فاينهايم وبازال 1981 (الزميل المذيع 1981).

[25]  راجع في مسألة نظرية العقلانية ك.أ. أبل مسألة نظرية العقلانية الفلسفية الوارد في (نشر) شنادلباخ: العقلانية فرنكفورت على نهر الماين 1984 ص.15-31 (أبل 1984).

.:: لمحة عن موضوع نظرية الأخلاق في الفكر الفلسفي الغربي ::.
مع موجز تاريخي للفكر الأخلاقي

بواسطة: عمر حسن

@3_7sanباسم

شغلت الفلسفة العديد من النظرات والأسئلة الكبرى، التي ما زالت تحاول وتكرر الإجابة عليها, وكان من أبرز هذه النظريات ثلاثة مواضيع وهي: نظرية المعرفة “الابستمولوجيا” [1], ونظرية الوجود “الانطولوجيا” [2], و نظرية القيم ” الاكسيولوجيا “[3]  التي من مباحثها الأخلاق, الذي سيكون محور الحديث في هذا المقال.
إذ تحاول الفلسفة تتبع هذه الظواهر لتضبطها في نسق يصلح أن يكون معيارا للصوابية في المعرفة أو الوجود أو القيم.

الفلسفة التقليدية:
1- المعرفة
2- الوجود
3- القيم: حق – خير – جمال .

فإذن يكون مبحث الأخلاق النظرية “ethics: الذي يبحث في الفعل الأخلاقي” Moral , ضمن أحد الفروع الرئيسية لنظرية القيم, الذي يحوي اضافة لمبحث الأخلاق مبحثين, هما مبحث الحق[4]. ويجاورهما مبحث الجمال[5].

وبعد الإشارة إلى موقع هذا العلم بين العلوم[6], يتحتم قبل البدء إعطاء تصور عام عن تعريفه [7]حتى يتميز ما نحن في صدد الحديث عنه.
بداية قد نستطيع القول أن علم الأخلاق: “العلم المهتم بدراسة الحُكم على خيرية الفعل الإرادي (+ الإنساني)  “- عمر حسن .

في هذا التعريف المختصر الذي عُرّف فيه هذا العلم عن طريق موضوعه[8]:”الفعل الإرادي” وإضافة الإنساني زيادة إيضاح, إذ أن من أبرز ما يتميز به الإنسان: قدرته الأخلاقية, النابعة من فرادته في حرية الإرادة, وفق استعلائه المعرفي,
}استعلاء معرفي(وعي)—> حرية إرادة —> المقدرة على الفعل الأخلاقي[9]{
والتعريف كما يُلاحظ يفترض مسلمات كامنة فيه, فالأخلاق تقتضي الحرية في الإرادة, لذلك نحن لا نناقش أفعال الحيوانات ونحكم عليها, ولا حتى من عنده قصور حاد يحول دون كمال الإرادة الواعية الحرة كالمجنون والصغير غير العاقل.

هذا من حيث الموضوع, كذلك يطرح التعريف الثمرة[10] (النتيجة), فنجده يقول :”الحكم بخيرية[11]” ومن ذلك يظهر سؤال من أبرز الأسئلة التي ستناقشها نظرية الأخلاق, وستختلف المدارس بوضوح بناء على الإجابة عليه, والمنطلقات التي اتكأت عليها للإجابة على سؤال }ما الخير الذي يجب علي فعله ليكون عملي صائبا؟{ (هذا السؤال بالإضافة إلى سؤال ما الذي يدفعني ويلزمني بأن أفعل الخير, ليكون فعلي صائبا؟ , يمثلان قطب ومحور النظرية الأخلاقية.)

وبعد بيان موقع وموضوع هذا العلم وثمرته, لعله أصبح من الواضح شيء من أهمية هذا العلم[12] ؛ وذلك لمُتعلقه المباشر بأفعالنا, وبالتالي حياتنا, سواء الشخصية أو العالمية, مما قد ينشأ عنه من حوار بين الحضارات أو صراع بينها, فالأخلاق تستطيع أن تكون جسر للتفاهم بين الذوات سواء الفرد في حواره مع نفسه أو الفرد مع غيره في المجتمع المنتمي له وغير المنتمي له أو ما بين المجتمعات كموجه مشترك جماعي للتفاهم.

وهنا نتسأل عن مكانة هذا العلم كنظرية فلسفية, مع باقي العلوم الانسانية, كعلوم الاجتماع والأنثروبولوجي والنفس والسياسة  وغيرها .
ونستطيع القول اجمالا أن هذه العلوم الإنسانية:
–  إما هي وصفية, تحاول فهم ما يحدث لأهداف معينة, كما في الاجتماع والانثروبولوجي والنفس, حيث تصف لنا تمظهرات القيم لدى الشعوب (انثروبولوجيا) أو سبب تشكل القيم لدى مخيال المجتمع ودوافعه (الاجتماع) أو الدوافع الشخصية والضغوطات التي تشكل السلوك الظاهر للفرد (النفس) .
– أو هي علوم واقعية تحاول تطبيق قيم أو أفكار مسلمة؛  لتجسدها على أرض الواقع, وفق الممكن كما هو في السياسة.

أيا ما يكن فإن ذلك يختلف عن الحديث في نظرية الأخلاق, إذ هي ليس إجرائية (عملية) كالسياسة, إنما هي معيارية: تهدف لتكون قيما موجِّهة, كمثال لما ينبغي أن تكون الحالة المثالية عليه, لا أفضل الحلول للواقع, أو طريقة تجسيد المثل في الدولة والواقع[13].
وبذلك علينا أن نكون مدركين بأن الفعل الانساني كظاهرة, تتجاذبه في الواقع العديد من المؤثرات والضغوطات, مما يجعل الحكم على الأفعال في موقف معين معقدا, والحكم على الأشخاص أقرب للاستحالة في حال إدراك كل هذه العوامل, التي تجعل من الانسان –لولا قدرته على الاستعلاء المعرفي بوعيه – أقرب إلى المجبور وأفعاله لصيقة بالحتمية.
لكن معرفة هذه المؤثرات والوعي بها, مع قيمٍ متعالية موجِّهةٍ, قد تخفف من وطأة هذه الحتمية, لتجعل من الإنسان في قلب المسؤولية وليحقق بالفعل ما استنبطنه من القوة على التجاوز.

وإلى هنا نكون قد عرفنا تصورا مبدئيا عن علم الأخلاق الذي يناقش المسائل النظرية المتعلقة بالفعل الأخلاقي, من خلال التعريف بأنه “العلم الحاكم على خيرية الفعل الإرادي” وذلك من خلال عدة مقدمات تهدف إلى تمييز هذا العلم للبدء في مسائله.
وكان بالإمكان تضمين المسائل[14] في التعريف[15]  ولكن متى ما أردنا أضافتها للتعريف يمكننا أن نقول هو : “العلم الدارس للفعل الإرادي الإنساني من حيث: طبيعة الخير وماهيته, ووجه الإلزام به, للحكم على خيرية الفعل, ومناقشة المدارس المتكلمة في الموضوع” فنكون بذلك رسمنا خارطة لمحاضرتنا, من خلال التعريف..

ويظهر في التعريف أبرز المسائل وعلى رأسها “طبيعة الخير وماهيته” ونحن قد افترضنا ابتداءً وجود قيمة الخير, على أن هناك اتجاهات تنفي هذه المسلمة من أساسها [16],
لكن يتحتم علينا التنازل والتسليم بوجود طبيعة للأخلاق, حتى يُسمح لنا بالدخول في مباحث علم الأخلاق, وحينها يمكننا الحديث عن عدة مسائل حول طبيعة الخير ما بين النسبية والشمول, كذلك من حيث كونها قيم نظرية متعالية أم اجرائية عملية .
ثم ان معرفتنا لطبيعة الخير يسبقه اعتماد للمصدر المحدد للأخلق (هل هي: من خارج الإنسان كالوحي, أم من داخله ثم هذا الأخير هل هو:  حدسي أم عقلي, والعقل هل هو نقاش: فردي أم جماعي)
ونؤكد أن الكلام هنا في المصدر ذو الأولوية, لا عن وجه الإلزام (وهو عبارة عن البدهية التي يتكئ عليها الاتجاه لتبرير مبدئه), فنستطيع مثلا تلفيق مذهب  يجعل من تأسيس الأخلاق العامة “المصدر” مبني على العقل, في حين أن الإلزام يحتِّمه الدين والجزاء الأخروي (الذي يجعل من خيار التجرد, وتحمل المسؤولية خيار جاد له عواقبه, وليس مجرد خيار فَضْلَة وترف)
ثم سنستفصل بعد ذلك عن ماهية هذا الخير وامكان صياغته في قانون أو مبدأ يستبطنه الإنسان خلال ممارسته أفعاله .

ومن بين المسائل العديدة السابقة, سيبين الجدول التالي أبرز المسائل, كعارض لها في الغالب لا مناقش أوناقد, فالمجال في هذه المقالة مجال عرض لا نقد, حتى لا يطول بنا التشعب والحديث[19].
كما ستضاف خانة لواضع كل اتجاه[20]  وسيتم الاكتفاء بذكر أبرز الاتجاهات, لأن امكان استيعاب الكل وحصره متعذر علي, خصوصا مع بروز العديد من الاتجاهات المعاصرة الحديثة[21], التي يطول الوقت في استقصائها, حيث أنه لا تكاد تكون هناك فلسفة أو فيلسوف له منظومة متكاملة, إلى وقد طرح محاولة للإجابة على سؤال الأخلاق.
وفي ذكر المذاهب الرئيسة غنية؛ فتكاد تكون باقي الاتجاهات في العموم تفريعات أو ايضاحات لها. يتلوا ذلك عرض تاريخ يتضح معه سياق نشوء هذه الاتجاهات.

الجدول

تفصيل الجدول عن طريق لمحة تاريخية موجزة:

-          العصور القديمة (القرن 7 ق.م – القرن 5 م)

مع بداية نشوء الفلسفة لدى اليونان [20], في نهاية القرن السابع قبل الميلاد وفي بعد قرنين من هذه البداية, ظهر الاستشكال حول المعرفة وإمكانها , ليصل إلى قول بنسبية الحقائق مع السفسطائيين, مما هدد بزوال معنىً للأخلاقٍ معيارية ترشد المجتمع المدني,
وذلك مهد لظهور الفلاسفة العظماء “سقراط – وأفلاطون – وأرسطو” الذين حاولوا إعادة إبراز الحقيقة؛ لتنتج مجتمع يرتقي أخلاقيا, فكان الأول “سقراط (ت: 399)”  يحاول استخراج الحقائق المكنونة في كل نفس, فالمهم أن “تعرف نفسك: لأنك متى عرفت وصلت للأخلاق, فالجهل هو السبب في غياب الفضيلة,
ثم حاول تلميذه “أفلاطون (348 ق.م)” تأسيس أخلاق أكثر وضوحا وصلابة, بناء على عالم المُثل التي تتجسد فيه الكمالات والكليات كوجود متكامل, ونحن نحاول تجسيدها متجاوزين الظلال المنعكسة في كهفنا الأرضي لنصل بإرشاد الفلاسفة إلى شمس الحقيقة والخير الأصليين.
وانتهى الأمر عند “أرسطو (ت: 322 ق.م)” بنظرة أكثر واقعية, منزلا عالم المثل الأفلاطوني إلى أرض الواقع, محافظا على نظرة أخلاقية متسامية, يطمح فيها الفرد للفضيلة التي تتوسط بين رذيلتين, مع بقاء التأمل على رأس هذه الفضائل.
لكن مع توسع الإمبراطورية اليونانية في عصر الاسكندر المقدوني “تلميذ أرسطو” وما تبعه من استلاء الإمبراطورية الرومانية, بدأت تتقوض فكرة المجتمع المدني “من المدينة” التي كانت محل تنظير الفلاسفة هادفة لإنشاء مجتمع الفضيلة, حيث توسعت السياسة واستقلت, مما غلب الأفكار الفردية كما نجده عند المدارس التي نشأة في هذا العصر الهيليني (323-146 ق.م) :
– كالكلبية: التي رفضت اللذة وحافظت على ضبط النفس للوصول للسعادة.
– والابيقورية: التي جعلت من اللذة الفردية مقياسا لها, ورفض كل المخاوف والآلام كالموت والآلهة وغير ذلك, لكن لم تكن تدعو للإفراط في الشهوات كما قد يظهر, إنما تدعوا المدرسة للّذة التي يقر العقل أنها لذة دائمة ونافعة, فالإغراق في الشهوات لا يولد لذة نافعة على المدى الطويل, لذلك كان التأمل والجلوس مع الأصدقاء في مراتب عليا من اللذة,
على أنه ظهرت نماذج متطرفة في هذا الاتجاه, تقول أن الانسان مادام يسعى للذة ودفع الألم, فإن هذه الحياة مجبولة على الكبد, مما يجعل خيار الانتحار هو الخيار الأمثل بناء على هذا المقياس؟!
– الرواقية: اهتمت بالانسجام مع القانون الطبيعي, حيث أن العقل الفردي عليه أن يتحد مع العقل الطبيعي (اللوغس) وأن ينسجم معه, ويرضى بخطة الطبيعة دون اعتراض على الأمراض والمحن, ليصل إلى ما يشبه وحدة الوجود مع الطبيعة المفكرة, ويلتزم بنظام أخلاقي صارم لينسجم مع الحياة.
وقد تطورت أفكار الابيقوريين في مراحل لاحقة مع الدولة الرومانية وتبوئهم بعض المناصب, فخرجت من أفكار اليونان حول المجتمع, لتبدأ بالتنظير عن الحقوق الطبيعية للبشر على قدم المساوة, لا التمايز الطبقي الذي كان واضحا عند فلاسفة اليونان.

لكن كل هذه الأفكار لم تجعل من الفرد قادرا على مواجهة مصاعب الحياة, مما فسح المجال أكثر للأخلاق التصوفية, التي تجعل للفرد أملا في حياة أخرى, ينال فيها تعويضا عن الحرمان الدنيوي, وكان من أبرز الفلاسفة بعد العصر الهيلين الذي مثل هذا الدور “أفلوطين (ت: 275 م)”, الذي مهدت أفكاره لسيطرة الفكر المسيحي في الحقبة التالية من القرون الوسطى المسيحية

-          العصور الوسطى (القرن 5 م – القرن 15 م)

-  المدرسية المبكرة (4م – 12م) : “أوغسطين” في بدايتها وانتهاء ب” أنسلم” حيث حاولت هذه المدرسة عقلنة الإيمان والبرهنة عليه دون أن يتجاوز العقل الإيمان.
– المدرسة العالية (13م – 14م): “توما الأكويني” التي أكدت على أن الخير والشر يمكن الوصل له بمعزل عن الإيمان, بحيث يمكن لغير المسيحي الوصول لحياة فاضلة وسعيدة, ولكن ينقصه –غير المسيحي- الخلاص الذي يميز الشخص المسيحي.
-المتأخرة (14م – 15م): ويليام الأوكامي ومارتن لوثر حيث تعزل هذه المدرسة العلاقة بين العقل والإيمان فلا مجال للإيمان أن يعقلن, والخير والشر مصدرها من الله صناعة.

-          العصور الحديثة (النهضة والتنوير والتصنيع والفترة المعاصرة” “16م – … )

يلي هذه العصور عصر النهضة الذي برز مع الاكتشافات العلمية وبداية ظهور المذهب التجريبي خصوصا لدى كل من “غاليليو(ت: 1642م)” و”نيوتن(ت:1727م)”, وظهور المفارقة الذات والموضوع, حيث أصبح للذات ثقة تطمح من خلالها للسيطرة على العالم,
مما أعقبه جدل فلسفي  في عصر التنوير حول المناهج بين العقلية المثالية والمناهج التجريبية الواقعية, والاستشكال حول أولوية العقل أم التجربة, لبناء منظومة متسقة تواكب النتاج العلمي الحاصل.
كل ذلك أقصى كثيرا من الفكر الديني الذي ولّد الكثير من الصراعات, مما جعل الكثير من المفكرين السياسيين يتبنون أفكارا تهدف إلى توطيد الاستقرار الأمني وتبرير الاستبداد؛ لضبط الكائن الإنساني الأناني والشرير الطبع, كما عند “ميكافيللي (ت:1527م)” و”هوبز(ت: 1679م)”, وأصبحت تبرر للحكام استخدام الأخلاق كوسيلة لفرض الاستقرار في البلاد.
وفي مقابل ذلك جاءت الفلسفات التي تؤكد على فكرة الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي كما عند “جون لوك (ت:1704 م)”. وشهد الفكر السياسي الكثير من التطورات كظهور نظرية فصل السلطات عند “مونتسيكو (ت:1755 م)”.
وكان لـ”كانط (ت:1804 م)” الكلمة الختامية التي توجت عصر التنوير بعدما استوعب من سبقه من فلاسفة الأنوار, وحاول الجمع بين المدرسة العقلية باتجاهاتها المختلفة عند “ديكارت” و”سبينوزا” و”لايبنتز”, والتجريبين كما عند “جون لوك” و”ديفيد هيوم” و”بيركيلي” المثالي!
حيث جعل “كانط” للواقع تمظهرا تشكله المسبّقات التي تمليها عليه الفطريات العقلية, فكأن هذه المسبّقات الفطرية نظّارة ننظر من خلالها  للواقع, فهي التي تفرض علينا الحدود وشكل التمظهر الخارجي مهما تغير شكل الواقع المعروض عليها.
وبذلك جعل الدين خارج حدود المعرفة العقلية, مؤكدا على أهمية الرشد الإنساني: بحيث تكون له الجرأة على استخدام العقل, دون أي وصاية مفروضة عليه من خراجه, وذلك في مجال العقل الخالص (النظري) أو في مجال العقل العملي, الذي من ضمن صلاحياته تحديد قانون أخلاقي يفرض نفسه كقانون المنطق الذي يجعل من الاتساق ورفع التناقض بدهية يؤسس عليها, فوضع قانون للفعل الأخلاقي يكون منطوقه: أن عليك لتكون متسقا أن “تفرض أن فعلك يصلح ليكون فعلا لكل الناس”, بحيث لا تسمح لنفسك القيام بالفعل دون باقي الناس؛ فتكون متناقضا.
وجعل من هذه الأخلاق غايات لذاتها, مفصولة عن ما قد تثمر عنه من سعادة أو نفع, وإن كانت حاصلة, فذلك لا يجعل من السعادة أو المنفعة الهدف الأسمى, أنما الإنسان غاية بذاته فيكون قانون الأخلاق واجب لذاته, كل هذا الوجوب والإلزام لنظريته التي أرادها كنسق بديل عن أخلاق الواجب الدينية, ليعلمن أخلاق واجب منطقية, ثم جعل من لوازم هذا القانون فكرة خلود النفس ووجود الله, ليست كأساس للأخلاق أكثر من كونها ناتج يحتمه ضرورة الرقي الأخلاقي.

وبقيت كل هذه الفلسفات تفرض حقائق معينة بعد بحث فلسفي ذاتي لكل فيلسوف مع نفسه, وتعددت بذلك الحقائق, ثم مع نشأة وتطور العلوم الإنسانية  بدأت تتخلخل فكرة الحقيقة المطلقة, فنجد أن عالم الاجتماع “ماكس فايبر(ت:1864م)” ذهب في النهاية إلى أن الأخلاق ما هي إلى عن إرادة يخلقها المجتمع لتكون مرشدا لهم, دون أن يعني ذلك أن لأي اختيار ميزة متجردة لذاتها عن غيرها, إذ هو أقرب ما يكون عن ترجيح بين خيارات متساوية, يختارها كل مجتمع وفق ما يخدمه,
وتطور الاقتصاد كثيرا مع “ادم سميث (ت: 1790م)” وبرزة بوضوح أفكار قياس المنافع والربح وذلك جعل “جون استورت مل(ت: 1873م)” يبني نظريته الأخلاقية لرفع أعلى قيمة للسعادة بحيث تشمل أكثر قدر من اللذة لأكبر عدد من الناس مع محاولة تعديله لفكرة سابقيه “بنتنام” ووالده “استورت مل” ليركز على أهمية عدم اهمال الحقوق الفردية والحفاظ عليها من أن تكون ضحية تسلخ في مذبحة المنفعة العامة
و ظهرت الماركسية (كارل ماركس ت: 1883م) كردة فعل على هذا الاقتصاد الرأس مالي, لكنها جعلت من الأخلاق والدين عبارة عن افتراضات لا حقائق  يؤسسها الناس بناء على وضعهم الاقتصادي,
مع “فرويد(ت: 1939م)” أوضح علم
النفس أهمية اللاشعور في تكوين سلوكنا لا الوعي الراشد, وهكذا مع باقي العلوم الإنسانية التي هزت من وثوقية الحقائق المطلقة,
حتى أعلن “نيتشيه (ت:1900م)” حينها موت الإله! الذي كان يعني وجود حقائق مطلقة, لتصبح عنده الحقائق ماهي إلا أوهام نسينا أنها كذلك!, والحقائق مجموعة أكاذيب يحتاجها المجتمع للعيش, وكيف أننا محاطون بأقنعة من الزيف اكثر من الحقائق, ومن ذلك زيف اللغة نفسها. مما قوض كل ادعاءات العقلانية التنويرية والأخلاق التي دعت إليها.

 وكان بذلك “نيتشة” أول من دشن لأفكار ما بعد الحداثة التي تنبأت بإفلاس قيم الحداثة, وبشرت بالدمار التي ستجنيه الإنسانية على نفسها, مما يجعل من الحروب العالمية التي نتجت كحتمية واضحة لهذا المسار,
فانبثقت الكثير من الاتجاهات كالوجودية التي حاولت اعادة الاعتبار للإنسان, والرومانسية التي قدمت الشعور والإحساس على العقل وكان للاتجاهات التي أعادت البحث في اللغة وحاولت رفع اللبس عنها, أبرز أثر على الفلسفة المعاصرة, من ذلك
–  تطور اللسانيات مع دي “سوسير (ت: 1913 م)” ثم المدرسة البنيوية.
– بروز الاتجاه التأويلي: في الفلسفة الهرمنيوطيقية وتطورها من جديد.
– التحليل اللغوي: الذي تمثلتها المنطقية الوضعية في حلقة فينا.
– فلسفة اللغة العادية: محاولة تجاوز الانغلاق على الشكل الجاف للغة الذي سيطر على المنطقية الوضعية, واعادة الاعتبار للسياقات التي يجري فيها الخطاب.
– التداولية: برزت التداولية كاتجاه جديد في اللسانيات, لقى دعما ورواجا أدى إلى نشوء الكثير من التيارات التداولية, كالتداولية الخطابية لدى “فوكو”, والتداولية التواصلية لدى “هابرماس”, والتداولية الاجتماعية …

 كل ذلك أبرز الاتجاه التواصلي النقدي الذي جعل من الجواب على سؤال الأخلاق يتمثل فما: تُجمع عليه مجموعة النقاش في حوار الحر, بدون وجه قهر, بحيث يكون الجواب إجرائيا نقديا (بدل الأجوبة المعيارية المطلقة التي كانت تبشر بها الأنوار) كانت هذه النتيجة التي يمثلها من المعاصرين “هابرماس (ولد:1929م)”, نتيجة تراكم من الأفكار المتجادلة في العصور القديمة والوسطى والحديثة التي بدأت رافعة من العقلنة والعقلانية حتى غرقت في العدمية, وحاول “هابرماس” بهذه العقلانية النقدية التداولية إعادة الاعتبار للعقل معلنا أن الحداثة قول لم يكتمل بعد.
ولازالت العديد من الأفكار ومحاولة الإجابة والنقد مستمرة, حتى من تلامذة “هابرماس” من الجيل الثالث من مدرسة “فراكفورت”, كما نجد ذلك عند فلسفة الاعتراف لدى “أكسيل هونث (ولد:1949م)” المؤكد على عدم فاعلة النقاش وحده دونما يسبقه اعتراف بالغير يجعل من النقاش يقترب من الوصول للحقائق لا الدفاع عن المصالح الشخصية,
وكذلك تلميذة “هابرماس” التركية “سيلا بنت حبيب (ولدت:1950م)” التي تراكم لها كل ماسبق مع أفكار أستاذها وكذلك زميلها هونث لتبلور مفهوم التعددية الثقافية, وكلا التلميذين حاولوا دفع الفلسفة المعاصرة للانعتاق من زجاجة اللغة التي تحررت التادولية من الغرق في ماءها ثم كانت هذه المحاولة تهدف للخروج من فوهة الزجاجة بالكامل والنزول للواقع والاعتراف والقبول بتعددية تصل إلى تفاهم يحقق العيش وفق قيم مشتركة.

________________________________________

[1] “الابستمولوجيا” Epistemology  نظرية المعرفة: المناقِشة للمعرفة الانسانية, من حيث: امكانها وحدودها, ومصادرها, وطبيعتها بالعالم, وما يتعلق بهذه المواضيع.

[2] “الانطولوجيا” Ontology نظرية الوجود: المتعلقة بقوانين الوجود, من حيث هو وجود, كالعرضية والجوهرية, والاستحالة والوجوب والامكان, وما يتعلق بذلك.

[3] ” الاكسيولوجيا ” Axiology

[4] يشمل طريقة الوصول للحقائق سواء النظرية ووضع له علم المنطق كالمنطق أو المناهج العلمية “الميثيدولوجيا”.

[5] “الاستيطيقيا” مبحث الجمال: الباحثة في الفعل الفني والجمالي.

[6] هذا التقسيم يبين نسبة هذا العلم وموقعه من بين العلوم, وهي أحد المقدمات العشرة للعلوم, وسنضيف علاقتها بالعلوم الاجتماعية والانثروبلوجيا والنفسية والسياسية. اضافة إلى ما ذكرنا من أسماء هذا العلم كمقمة أخرى.

[8] موضوعه أي: المادة الخام التي يدرسها العلم, كما يدرس علم الطب البشري: الجسم الإنساني كمادة ليدرها هذا العلم , والصرف: يدرس الكلمة كمادة من حيث تشكلاتها , وهكذا.

[9] الأخلاق بالقوة.

[11] ونحن عندما نقول الصوابية فإن تحديدنا للفعل الصائب يقتضي تمايز ضده “الفعل الخاطئ”, وهذه النقطة مهمة في نقاشاتنا, فعند تحديد تعريف لمصطلح, عند تحرير محل النزاع, على التعريف أن يكون ذوا معنى, وذلك  يشترط أن يتميز مع التعريف ضده, فمثلا,, نحن لا يمكننا أن نقول أن الصوابية تعني: كل فعل إنساني لأننا بذلك لم ندع مجال لوجود الحكم الخاطئ أصلا, وكل ما فعلناه أننا عرفنا الفعل الإنساني لا الصوابية, عموما أردنا أن نشير هنا إلى أن النظرية الأخلاقية تحدد الخير كقيمة موجهة للفعل الصائب, بعكس الشر كفعل خاطئ.

[13] فمثلا مفهوم العدالة قيمة اخلاقية, لكن آلية تطبيقها, وتفصيل ممارستها, في الدولة يخضع للسياسة ونظرياتها.

[15] لولا خشية التطويل في التعريف, إذ غاية التعريف تمييز المراد من العلم, في أخصر عبارة, ونعتقد أن في ذكر الموضوع والثمرة يحقق الغاية

[16] كما نجد ذلك لذا السفسطائيين في عصور ما قبل الميلاد وامتداداتها في بعض أفكار ما بعض الحداثة, التي هاجمة العقل, وغرقت في نسبية عدمية, وكذلك من الاتجاهات المعاصرة ما هو عند مدرسة المنطقية الوضعية, الذي تحلل الحكم الأخلاقي تحليل لغويا باعتباره انفعالا[16]  أو أمرا[17] أو وصفا[18] وكان ذلك نتيجة ما فرضته هذه المدرسة التحليلية على نفسها, من رفض للميتافيزيقا, والإنغلاق على تحليل العبارات اللغوية, وتميز ماله معنى وما ليس ذو معنى.

[16] الانفعال: ردة فعل غرزية يصحبها أحيانا صوت مثل صرخة الخوف, فيكون عندهم قولك للرجل الذي أنقذ فتاة أنه فعل عظيم وجيد عبارة عن انفعال.

[17] مثلا قولك أن بر الوالدين خلق رفيع عبارة عن أمر يتوجه للغير كابنك مثلا بأن يحسن إليك.

[18] وصفا تعبر به عن انطباعك الشخصي حول فعل معين.

[19] فمثلا لو أردنا مناقشة الملزم في المذاهب الأخلاقية , سنطرح نقاشا يبحث المبرر في تجاوز الهوة والانتقال من الوجود إلى الوجوب (وهو الإشكال الذي طرحه هيوم) إذ أن النظريات الأخلاقية  تنتقل من وصف موجود إلى أمر وجوبي دون مبرر, فمثلا عندما نقول قطع الإشارة مخالف للأنظمة؛ لذلك يجب عليك الامتناع عن قطع الإشارة, فإن هنا انتقالا يخفي مقدمات دون أن يبرر لها, وفي هذا المثال فإن هناك مقدمة متوسطة وهي: أنه يجب عليك الالتزام بالقانون, فتكون القضية متكاملة حيث نقول , قطع الإشارة مخالف للقانون, ويجب عليك الالتزام بالقانون؛ لذلك يجب عليك عدم قطع الإشارة, لكن هذه المقدمة المتوسطة هي بنفسها أيضا تحتاج مبررا, فلماذا يجب علي الالتزام بالقانون؟!, وهكذا سنستمر إلى أن نصل إلى إشكالية التأسيس النهائي, التي هي أقرب إلى أن تكون مبحثا ابستمولوجيا من كونها مبحثا اكسيولوجيا “قيميا”,, وهنا تظهر اختلاط المباحث الثلاث الرئيسة في الفلسفة, وهي عند بعض الاتجاهات أوضح منها لذا غيرها الذي يفصل بين هذه المباحث, فمثلا نرى تصور أفلاطون الأنطولوجي “الوجودي” بارز في نظرية المعرفة والقيم عنده, وذلك يتجلى في تنظيره لجمهوريته, وفيما يتعلق بنظرية القيم عنده “حتى لا نطيل الاستطراد” نرى أنه يرى بطرد وابعاد الفنانين من الشعراء وغيرهم, الذين يزيفون تمثيل المثل للناس!.

[20] والواضع أحد المقدمات العشرة

[20]عادة ما يبرز تاريخ الفلسفة مع نهاية القرن السابع  قبل الميلاد في الحضارة اليونانية, وذلك مع بداية استقلال العقل في محاولته لفهم الطبيعة, بعيدا عن الخرافات التي كانت تفرض نفسها في تصور الطبيعة,
ومع تجمع العديد من العلوم مستفيد من الحضارات السابقة لها والأعرق منها, بدأ يتضح السؤال الفلسفي الذي بدأ مع الجيل الأول من الطبيعيين بالبحث عن المادة الأصل المكونة للطبيعة مع “طاليس (ت: 543 ق.م(“, وتنوعت بعده الإجابات على هذا السؤال,
ثم انتقل محور السؤال من البحث عن المادة الأصل إلى البحث عن طبيعة التغيير والثبات في الطبيعة, بل وتجاوز البحث كل ذلك ليصل بعد الجيل الثالث إلى الاستشكال حول المعرفة نفسها.

[21] للاطلاع على أبرز الاتجاهات المعاصرة “أخلاق: الكون والمسؤولية والسمو” انظر كتاب “الفكر الأخلاقي المعاصر”, ولأخلاق العناية عند النسوية, انظر كتاب “أخلاق العناية” دار المعرفة, وللمحة عن الأخلاق عند التفكيكين والمجموعاتية, انظر, مقال “نظريات معاصرة في الأخلاق للسيد ولد أباه”,, وكل المصادر متوفرة كنسخ الكترونية

تحت عنوان (انتصاب الشارع للتشريع في كتابه: مقاصد الشريعة)
كتب  الإمام الطاهر بن عاشور

<…> فما يهم الناظر في مقاصد الشريعة تمييز مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفرقة بين أنواع تصرفاته <…>

<…> وهي  اثني عشر حالا: التشريع ، والفتوى ، والقضاء ، والإمارة ، والهدى ، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرد عن الإرشاد<الجبلة والعادة>

1-   فأما حال التشريع

فهو أغلب الأحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لأجله بعثه الله كما اشار إليه قوله تعالى: ((وما محمد إلا رسول)) وقرائن الانتصاب للتشريع ظاهرة.

أمثلة:
– خطبة حجة الوداع وكيف أقام مسمّعين يسمّعون الناس ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حجه الوداع: (خذوا عنى مناسككم) وقوله: عقب الخطاب: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب).

2-   وأما حال الإفتاء

<  يقصد الأحوال التي يجيب فيها عن الأسئلة والفتوى التي ترد عليه >

أمثلة:
ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع على ناقته بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: لم أُشعر فحلقت قبل أن أنحر فقال: (انحر ولا حرج) ثم جاء آخر فقال:نحرت قبل أن أرمى، قال: (ارم ولا حرج) ثم أتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل ان أرمى قال: (ارم ولا حرج) فما سئل عن شيء قُدم ولا أُخر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض إلا قال: (أفعل ولا حرج)

3-   وأما حال القضاء

تعريفه:
فهو ما يصدر حين الفصل بين المتخاصمين المتشادّين. فكل تصرف كان بغير حضور خصمين فليس بقضاء مثل ما في حديث هند بنت عتبة <وفيه أنها شكت بخل أبي سفيان وعدم إعطائها ما يكفيها من المال، فأجاز لها أن تأخذ بدون علمه بالمعروف>

أمثلته:
– قوله صلي الله علية وسلم: (امسك يا زبير حتي يبلغ الماء الجدر ثم أرسله)
– وقضائه في خصومة الحضرمي والكندي في أرض بينهما
– وقوله حين شكت إليه حبيبة بنت سهل الأنصاري زوجة ثابت بن قيس وذكرت أنها لا تحبه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟) قالت : كل ما أعطاني هو عندي فقال رسول الله لثابت: (خذ منها) فأخذ حديقته وطلقها.


من علاماته:

قول الخصم للرسول صلي الله عليه وسلم: اقض بيننا، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” لأقضين بينكما”

أمثلة لهذه العلامة:
– عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء أعرابي ومعه خصمه فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال خصمه وكان أفقه منه: صدق اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم وذكرا قضيتهما فقال رسول الله: (لأقضين بينكما بكتاب الله …)

<…>

وهذه الأحوال الثلاثة <التشريع والإفتاء والقضاء> كلها شواهد التشريع وليست التفرقة بينها إلا لمعرفة اندراج أصول الشريعة تحتها.

<مسألة تتعلق بـ> الفتوى والقضاء <دون التشريع>: كلاهما تطبيق للتشريع
ويكونان في الغالب <1>  لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي <أي تنزيلا للحكم النظري في الواقع العملي>
وقد يكونان <2>   لأجل عموم وخصوص وجهى بين الحكم التشريعي العام وبين حكم المسألة أو القضية بأن يكون المستفتي قد عرض لفعله عارض أوجب اندراجه تحت قاعدة شرعية لا لكون الفعل نفسه مندرجا تحت قاعدة شرعية <معناه أن المسألة يكون لها حكم في أصلها (جائزة مثلا) لكن لدخول عارض عليها تغير الحكم (جعلها محرمة بالفتوى أو القضاء مثلا) لأجل ذلك العارض فإذا زال العارض رجع الحكم لأصله (فيعود للجواز مثلا)>.

مثاله <تغير الحكم لعارض> في الفتوى:
– النهي عن الانتباذ في الدّبّاء والحَنْتَم والمُزَفّت والنقير فإن هذا النهى تعين كونه لأوصاف عارضة توجب تسرع الاختمار لهذه الأنبذة في بلاد الحجاز فلا يؤخذ ذلك النهى أصلا يحرم لأجله وضع النبيذ في دباءة أو حنتمة مثلا لمن هو في قطر بارد ولو قال بعض أهل العلم بذلك= لعرض الشريعة للاستخفاف.

- وكذلك القول في الأقضية مثل قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار فإن ذلك يحمل على أن الراوي رأى جارا قضى له بالشفعة ولم يعلم أنه <الجار> شريك.

4-   وأما حال الإمارة

<اجتهاد بشري يجب على المأمورين خاصة اتباعه وليس حكما عاما>


أمثلة
:
– النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية في غزوة خيبر فقد اختلف الصحابة:
<1> هل كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأمره بإكفاء القدور التي طبخت فيها نهي تشريع فيقتضى تحريم لحوم الحمر الأهلية في كل الأحوال؟
<2> أو نهي إمرة لمصلحة الجيش لأنهم في تلك الغزوة كانت حمولتهم الحمير
– وقوله صلى الله عليه وسلم : (من أحيى أرضا ميتة فيهي له) قال القرافي: “اختلف العلماء في هذا القول
<1> هل هو تصرف بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يحيي أرضا ولو لم يأذن الإمام؟
<2> أو هو تصرف بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام؟”

- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: (من قتل قتيلاً فله سلبه):
<1> فجعله مالك تصرفا بالإمارة فقال: لا يجوز إعطاء السلب إلا بإذن الإمام وهو من النفل وهو خارج من الخمس الذى هو موكول لاجتهاد أمير الجيش وبذلك قال أبو حنيفة أيضا
<2> وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يتوقف ذلك على إذن الإمام بل هو حق للقاتل فرأوه تصرفاً بالفتوى والتبليغ.

5-   وأما حال الهدي والإرشاد

تعريفه:
فالهدي والإرشاد أعم من التشريع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يأمر وينهى وليس المقصود العزم <الوجوب>، ولكن المقصود الإرشاد الى طرق الخير فإن المرغبات وأوصاف نعيم أهل الجنة وأكثر المندوبات من قبيل الإرشاد. فالهدى والإرشاد هنا خصوص الإرشاد إلى مكارم الأخلاق وآداب الصحبة وكذلك الإرشاد إلى الاعتقاد الصحيح.

أمثلة:
– في الحديث الصحيح عن أبى ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عبيدكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل مالا يطيق فإن كلفه فليعنه) قال الراوي: لقيت أبا ذر وغلاما له وعلى غلامه حلة فقلت أبى ذر: ما هذا ؟ فقال : تعال أحدثك ، إني ساببت عبداً لي فعيرته بأمه ، فشكاني الى رسول الله فقال رسول الله: ( أعيرته بأمه يا أباذر) قلت: نعم ، قال: (إنك امرؤ فيك جاهلية عبيدكم خولكم….) الحديث

6-   أما حال المصالحة بين الناس

فهو حال يخالف حال القضاء <بمعنى أنه ليس تطبيقا لأمر تشريعي ملزم كالقضاء>

أمثلة:
– تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اختصم إليه الزبير وحميد الأنصاري في شراج <:سيل الماء> الحرة <:مكان> كانا يسقيان به فقال رسول الله للزبير: (اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك) فلما غضب حميد الأنصاري قال رسول الله للزبير: )اسق ثم احبس حتى يبلغ الماء الجدر) قال عروة بن الزبير:وكان رسول الله أشار برأي فيه سعة للزبير وللأنصاري ثم استوعى رسول الله للزبير حقه في صريح الحكم.

- وقضية كعب بن مالك حين طالب عبد الله بن أبى حدرد بمال كان له عليه فارتفعت أصواتهما في المسجد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا كعب) وأشار بيده أي ضع الشطر فرضي كعب فأخذ نصف المال الذى له على ابن أبى حدرد.

7-   واما حال الإشارة على المستشير

<يكون حين يستشير أحد الصحابة الرسول في أمر ما فيشير عليه الرسول برأيه لا على وجه الإلزام أو التشريع>

أمثلة:

- في الموطأ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله <تصدق بفرس صالح للجهاد على رجل>، فأضاعه الرجل الذى أعطاه عمر إياه <أهمله الرجل الذي تصدق عليه عمر حتى هزل الفرس وضعف >، ورام <:أراد الرجل> بيعه، فرام عمر أن يشتريه وظن أن صاحبه بائعه برخص. فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: (لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم فإن الراجع في صدقته كالكلب يعود في قيئه).
فهذه إشارة من رسول الله على عمر ولم يعلم أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل ذلك نهيا علنا فمن أجل ذلك اختلف العلماء في محمل النهى:
<1> فقال الجمهور: هو نهى تنزيه كيلا يتبع الرجل نفسه ما تصدق به فجعله لله وحمل على هذا قول مالك في الموطأ والمدونة لجزمه بأن ذلك البيع لو وقع لم يفسخ
<2> وحمله <مالك> في الموازية على التحريم ولم يقل: إن البيع يفسخ مع أنه لو كان نهى تحريم لأوجب فسخ البيع لأن أصل المذهب <المالكي> أن النهى يقتضى الفساد إلا لدليل.

- وعلى هذا المحمل يحمل عندي حديث بريرة حين رام أهلها بيعها ورغبت عائشة في شرائها واشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم وأبت عائشة ذلك وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كالمستشيرة فقال لها: (لا عليك أن تشترطي لهم الولاء) وفي رواية: (خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق) ففعلت عائشة ذلك ثم خطب رسول الله في الناس خطبة قال فيها: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله…(الى قوله) وإنما الولاء لمن أعتق) فلو كان قوله لعائشة تشريعا أو فتوى <قوله: (اشترطي لهم الولاء) قد يعد دليلا على صحة الشرط> لكان الشرط ماضيا <صحيحا> ولعارض قوله في الخطبة )إنما الولاء لمن أعتق) ولكنه <حين قال: (اشترطي لهم الولاء)>  كان إشارة منه على عائشة بحق شرعي <وهو أنه مهما اشترطت ذلك فإن الولاء لها، فكان من قبيل الإرشاد لا الفتوى والإقرار بصحة الشرط> حتى تسنى لها التحصيل عليه مع حصول رغبتها في شراء بريرة وعتقها.
وهذا منزع في فهم هذا الحديث هو من فتوحات الله على وبه يندفع كل إشكال حير العلماء في محمل هذا الحديث.

- وعلى مثل هذا المحمل حمل زيد بن ثابت نهي رسول الله عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه ففي صحيح البخاري عن زيد: كان الناس في عهد رسول الله يبتاعون الثمار فإذا جذّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الدُّمان أصابه مُراض أصابه قُشام (عاهات يحتجون) بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة: (فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر) قال زيد بن ثابت:كالمشورة يشير بها عليهم لكثرة خصومتهم.

8-   وأما حال النصيحة

<وهي قريبة مما قبلها على أنه في حال النصيحة يبتدر بها الرسول لأصحابه دون سابق استشارة كما في حال المشورة>

أمثلة:
– ما في الموطأ والصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه بشير بن سعد نحل <أهدى> النعمان ابنه غلاما من ماله دون بقية أبنائه. فقالت له زوجه عمرة بنت رواحة وهي أم النعمان: لا أرضى حتى تشهد رسول الله فذهب بشير وأعلم رسول الله بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أكل ولدك نحلت مثله؟) قال : لا. قال:  (لا تشهدني على جور) وفي رواية: (أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء) قال : نعم قال: (فلا إذن(.

<1> فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن رسول الله نهى بشيرا عن ذلك نظرا إلى البر والصلة لأبنائه ولم يرد تحريمه ولا إبطال العطية <من الوالد لأحد الأبناء> ولذلك قال مالك: يجوز للرجل أن يهب لبعض ولده ماله ، وما نظروا إلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يشتهر عنه هذا النهي علمنا أنه نهي نصيحة لكمال إصلاح أمر العائلة وليس تحجيرا ويؤيد ذلك ما في بعض روايات الحديث أنه قال: (لا ، أشهد غيرى)

<2> وذهب طاوس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسفيان وداود بن علي إلى تحريم مثل هذه النحلة وقوفا منهم عند ظاهر النهى.

- ومن هذا أيضا حديث فاطمة ابنة قيس في صحيح مسلم أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن معاوية بن أبى سفيان وأبا جهم خطباها فقال لها رسول الله: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك) لا يدل على انه لا يجوز للمرأة أن تتزوج برجل فقير ولكنها استشارت رسول الله فأشار عليها بما هو أصلح لها.

9-   وأما حال طلب حمل النفوس على الأكمل من الأحوال

 

تعريفه:

 فذلك كثير من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونواهيه الراجعة الى تكميل نفوس أصحابه وحملهم على ما يليق بجلال مرتبتهم في الدين من الاتصاف بأكمل الأحوال مما لو حمل عليه جميع الأمة لكان حرجا عليهم. <…>

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه مشرعا لهم بالخصوص فكان يحملهم على أكمل الأحوال لأنهم أعدوا ليكونوا حملة هذا الدين وناشري لوائه <…>

أمثلة:

- في صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع: (أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ، وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإفشاء السلام وإجابة الداعي.. ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة وعن المياثر الحمر والقسّيّة والإستبرق والديباج والحرير<أشكال من الترفه>) فجمع مأمورات ومنهيات مختلطة بعضها مما علم وجوبه في مثل: نصر المظلوم مع القدرة. وتحريمه في مثل: الشرب في آنية الفضة. وبعضها مما علم عدم وجوبه في الأمر مثل: تشميت العاطس وإبرار المقسم. أو عدم تحريمه في النهى مثل: المياثر والقسية.

فما تلك المنهيات إلا لأجل تنزيه أصحابه عن التظاهر بمظاهر البذخ والفخفخة للترفه وللتزين بالألوان الغريبة وهى الحمرة ، وبذلك تندفع الحيرة في وجه النهى عن كثير مما ذكر في هذا الحديث مما لم يهتد إليه الخائضون في شرحه.

- ويشهد لهذا ما رواه أبوداود عن على بن أبى طالب أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسِّيِّ ، وعن لبس المعصفر وعن تختم الذهب وعن القراءة في الركوع والسجود ولا أقول نهاكم). يعنى أن بعض هذه المنهيات لم ينه عنها جميع الأمة بل خص بالنهى عليا.

- ومن الأمثلة حديث أبى رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بصقبه) أي: ما يليه. أي: أحق بشرائه إذا باعه جاره. فما هو إلا لحمل أصحابه على المواساة والمؤاخاة ولذلك جعل الجار منهم أحق بالشفعة لأجل الصقب ، أي: القرب ولولا كلمة )أحق) لجعلها الحديث لمجرد الترغيب فلما وجدنا كلمة )أحق) علمنا أنه يعنى الجار من الصحابة أحق بشفعة عقار جاره فلا تعارض بينه وبين حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشفعة في ما لم يقسم ، فإذا حددت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة(

- وكذلك حديث الموطأ والصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمنع أحدكم جاره خشبةً يغرزها في جداره) ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم)
<1> فحمل ذلك أبو هريرة على التشريع. <2> وحمله مالك على معنى الترغيب. <…>

- وحديث رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع أنه قال: لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقا قال رافع: قلت: ما قال رسول الله فهو حق ، قال: دعاني رسول الله فقال: ( ما تصنعون بمحاقلكم؟) قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير ؟ فقال: (لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها) قال رافع: قلت: سمعا وطاعة.

فتأوله معظم العلماء على معنى أن رسول الله أمر أصحابه أن يواسى بعضهم بعضا ولذلك ترجم البخارى هذا الحديث بقوله: باب ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسى بعضهم بعضا فى الزراعة والثمرة.

10-                     وأما حال تعليم الحقائق العالية

فذلك مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أصحابه

أمثلته:
– ما روى أبو ذر قال : قال لى خليلي: )يا ذر أتبصر أُحُدا؟) قلت: نعم ، قال: (ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير)
فظن أبو ذر أن هذا أمر عام للأمة فجعل ينهى عن اكتناز المال ، وقد أنكر عليه عثمان رضى الله عنه

11-                     وأما حال التأديب

فينبغي إجادة النظر فيه لأن ذلك حال قد تحف به المبالغة لقصد التهديد فعلى الفقيه أن يميز ما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التشريع، وما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التوبيخ والتهديد ولكنه تشريع بالنوع أي بنوع أصل التأديب.

أمثلته:
– ذلك ما في الموطأ والصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (والذى نفسى بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف الى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذى نفسى بيده لو يعلم أحدهم انه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) .

فلا يشتبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليحرق بيوت المسلمين لأجل شهود صلاة العشاء فى الجماعة ولكن الكلام سيق مساق التهويل في التأديب  أو أن الله أطلعه على أن أولئك من المنافقين وأذن له بإتلافهم إن شاء.

- ومنه أيضا ما ورد في صحيح البخاري عن أبى شريح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن) فقلنا : ومن هو يا رسول الله؟ قال: (من لا يأمن جاره بوائقه)
فخرج الكلام مخرج التهويل لمن يسئ الى جاره حتى يخشى أن لا يكون من المؤمنين والمراد نفى الإيمان الكامل.

12-                     وأما حال التجرد عن الإرشاد

<الجبلة والعادة>

تعريفه:
ما يتعلق بغير ما فيه التشريع والتدين وتهذيب النفوس وانتظام الجماعة ولكنه أمر يرجع إلى العمل في الجبلة وفي دواعي الحياة المادية.
وأمره لا يشتبه فإن رسول الله يعمل في شؤونه البيتية ومعاشه الحيوي أعمالا لا قصد منها إلى التشريع ولا طلب متابعة. وقد تقرر في أصول الفقه أن ما كان جبليا من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون موضوعا لمطالبة الأمة بفعل مثله بل لكل أحد أن يسلك ما يليق بحاله

أمثلته:
– وهذا كصفات الطعام واللباس والاضطجاع والمشي والركوب ونحو ذلك سواء كان ذلك: (خارجا عن الأعمال الشرعية) كالمشي في الطريق والركوب في السفر ،أم كان (داخلا في الأمور الدينية) كالركوب على الناقة في الحج ومثل الهوي باليدين قبل الرجلين في السجود عند من رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهوى بيديه قبل رجليه حين أسن وبدن وهو قول أبي حنيفة.

- وكذلك ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في حجة الوداع بالمحصب الذى هو خيف بنى كنانة ويقال له: الأبطح فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم هجع هجعة ثم انصرف بمن معه إلى مكة لطواف الوداع.
<1> فكان ابن عمر يلتزم النزول به في الحج ويراه من السنة ويفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<2> وفى البخاري عن عائشة أنها قالت: (ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه الى المدينة) تعنى : أنه مكان متسع يجتمع فيه الناس وبقولها قال ابن عباس ومالك بن أنس.

- وكذلك حديث الاضطجاع على الشق الأيمن بعد صلاة الفجر
– وفى حديث يوم بدر أن رسول الله سبق قريشا الى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به بالجيش فقال له الحباب بن المنذر : يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله : بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فإني أعرف غزارة مائة وكثرته فننزل ثم نغور ما عداها من القلب فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  لقد أشرت بالرأي

- وفى جامع العتبية في سماع ابن القاسم قال مالك : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الحوائط وهم يؤبرون النخل ويلقمونها فقال لهم: ما عليكم ألا تفعلوا. فترك الناس الإبار في ذلك العام فلم تطعم النخل فشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما أنا بشر فاعملوا بما يصلحكم <…>

< خاتمة وتنبيهات مهمة >

وبعد فلا بد للفقيه من استقراء الأحوال وتوسم القرائن الحافة بالتصرفات النبوية:

فمن قرائن التشريع: الاهتمام بإبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم الى العامة والحرص على العمل به والإعلام بالحكم وابرازه في صورة القضايا الكلية مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا لا وصية لوارث) وقوله: (إنما الولاء لمن أعتق (


ومن علامات عدم قصد التشريع
: عدم الحرص على تنفيذ الفعل مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الوفاة: (آتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده)

قال ابن عباس : فاختلفوا فقال بعضهم : حسبنا كتاب الله وقال بعضه : قدموا له يكتب لكم ولا ينبغي عند نبي تنازع فلما رأى اختلافهم قال: (دعوني فما أنا فيه خير)

واعلم <…> أنه يجب المصير الى اعتبار ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال فيما هو من عوارض أحوال الأمة صادرا مصدر التشريع ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.

وقد أجمع العلماء على الأخذ بخبر سعد بن أبى وقاص حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصى في ماله قال له: (الثلث والثلث كثير)
فجعلوا الوصية بالزائد على الثلث مردودة إلا أن يجيزها الوارثة ولم يحملوه محمل الإشارة والنصيحة مع ما قارنه مما يسمح بذلك وهو قوله: (إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)
فإنه مؤذن بالنظر الى حالة بسعد وورثته وشدة فقرهم ومع كونه جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين سعد خاصة ولم يفعل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رواه عنه غير سعد فكان للفقيه أن يجيز الوصية بأكثر من الثلث لمن كان ورثته أغنياء ولم يقل به أحد من أهل العلم أو لمن لم يكن له وارث وقد قال بذلك بعض أهل العلم فيما نقل ابن حزم في المحلى عن ابن مسعود وعبيدة السلماني وطائفة وهو قول شاذ.

________________

*  ما بين معكوفتين <> والعناويين الفرعية من إضافتي

-----3~1

مرةً، سألني قريبي عن صلاة الجماعة فأخبرته أن هناك علماء (جمهور المذاهب) يرون عدم فرضيتها عينيا فهي ليست واجبةً على كل شخصٍ! فقال مستغربًا: أنت شيعي! (لأنه يعرف أن الشيعة يصلون فرادى)

الواحد منّا حين يحضر وليمةَ عرس بلبس نوم لماذا يستغربه الناس ويستهجنه؟ صحيح العادات والتقاليد هي السبب.. لكن ماذا يعني هذا؟
تماما كما يعطي اللون الأحمر إشارة مدلولها: قف؛ فإن مشينا على الخطوط التي ترسمها لنا التقاليد يعطي إشارة (رمزية) مدلولها: أنا منكم وفيكم (أنتم على مأمن مني)
وبالمقابل فإن الخروج عن هذه الحدود (قصة شعر غريبة كمثال صغير) يعطي مدلولا معاكسا: أنا شخص غريب، لا أحبكم، لي انتماء آخر (إذن أنت لست منا وفينا إذن لسنا على مأمن منك). **ربما يكون هذا التحليل صحيحا أو أنه جزء من التشخيص**

طيب (بناء على ذلك).. ماذا لو كانت الفتوى السائدة تعتبر تقليدا؟ ستكون نتائج الخروج عن الفتوى  حينها نفس نتائج الخروج عن التقاليد، ولن تستغرب وقتها جواب قريبي.

في الأخير.. أذكر أننا لما كنا في الثانوي كان معرفة وجود رأي آخر في فرعيات صغيرة مثل: الحجاب والموسيقى والإسبال واللحية إلخ= يمثل معرفة سر دفين أو كنز مفقود! لأننا كنا نعتبرها جزءا من التقاليد. وطبعا هناك أسباب أخرى للخوف من الفتاوى الجديدة لكن قد يكون هذا أحدها. **(ولعل من يطلع على علم الاجتماع الديني أو علم اجتماع المعرفة أو ربما فرع الدين عند الأنثروبولوجيين يجد أجوبة أخرى)**
هناك مسافة بين ما هو ديني (وهو واسع ويقبل الخلاف) وما هو عاداتي وتقاليدي إن صح التصريف (وهو عادة ضيق صعب التغيير) وتكمن المشكلة في الخلط بينهما.. ففرقوا بينهما رحمكم الله

وشكرا لكم على حسن استماعكم وإنصاتكم إلى أن نلقاكم في تدوينة أخرى نترككم في رعاية الله :)

بما أن اليوم جمعة وشكلكم طفشانين من خطبكم ونايمين كمان عندي فكرة مفيدة للوعاظ وللعقلية المسلمة إجمالا:

mic

أظن أنه يوجد عدة خطابات للشرع:”ثم أورثنا الكتاب اللذين (اصطفينا) من عبادنا
-فمنهم ظالم لنفسه
-ومنهم مقتصد -
ومنهم سابق…”

يعني فيه خطاب لعامة الناس زي “إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم” وزي (أفلح وأبيه إن صدق) وغيره،،، هذا فقط يطالب بالفرائض وترك الكبائر

وفيه خطاب لمن يريد الزيادة وهذا يخاطب بالنوافل وترك الصغائر

وفيه خطاب لمن أراد السبق وهذا يخاطب بالأولى والمستحبات وترك المكوهات

وهذا سبب تعدد خطاب النبي صلى الله عليه لأصحابه وأوامره لهم بناء على مكانتهم من هذي الخطابات،، (انظر السنة التشريعية وغير التشريعية للطاهر بن عاشور)
(مشكلة الوعاظ) أنهم يخاطبون الناس بخطاب السابقين فيظن الواحد منهم أن الشرع يطالبهم بالنوافل والمستحبات كما يطالبهم بالفرائض والواجبات على حد السواء ويطالبهم بترك المكروهات والصغائر كما يطالبهم بترك المحرمات على حد السواء فتنشأ عقدة الناس من هذه الأمور التي ربما أفضت لارتكابهم المحظور وترك المأمور.

معرض الوسوم

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.