كُناشٌ.. يجمع خربشاتي

.:: لمحة عن موضوع نظرية الأخلاق في الفكر الفلسفي الغربي ::.
مع موجز تاريخي للفكر الأخلاقي

بواسطة: عمر حسن

@3_7sanباسم

شغلت الفلسفة العديد من النظرات والأسئلة الكبرى، التي ما زالت تحاول وتكرر الإجابة عليها, وكان من أبرز هذه النظريات ثلاثة مواضيع وهي: نظرية المعرفة “الابستمولوجيا” [1], ونظرية الوجود “الانطولوجيا” [2], و نظرية القيم ” الاكسيولوجيا “[3]  التي من مباحثها الأخلاق, الذي سيكون محور الحديث في هذا المقال.
إذ تحاول الفلسفة تتبع هذه الظواهر لتضبطها في نسق يصلح أن يكون معيارا للصوابية في المعرفة أو الوجود أو القيم.

الفلسفة التقليدية:
1- المعرفة
2- الوجود
3- القيم: حق – خير – جمال .

فإذن يكون مبحث الأخلاق النظرية “ethics: الذي يبحث في الفعل الأخلاقي” Moral , ضمن أحد الفروع الرئيسية لنظرية القيم, الذي يحوي اضافة لمبحث الأخلاق مبحثين, هما مبحث الحق[4]. ويجاورهما مبحث الجمال[5].

وبعد الإشارة إلى موقع هذا العلم بين العلوم[6], يتحتم قبل البدء إعطاء تصور عام عن تعريفه [7]حتى يتميز ما نحن في صدد الحديث عنه.
بداية قد نستطيع القول أن علم الأخلاق: “العلم المهتم بدراسة الحُكم على خيرية الفعل الإرادي (+ الإنساني)  “- عمر حسن .

في هذا التعريف المختصر الذي عُرّف فيه هذا العلم عن طريق موضوعه[8]:”الفعل الإرادي” وإضافة الإنساني زيادة إيضاح, إذ أن من أبرز ما يتميز به الإنسان: قدرته الأخلاقية, النابعة من فرادته في حرية الإرادة, وفق استعلائه المعرفي,
}استعلاء معرفي(وعي)—> حرية إرادة —> المقدرة على الفعل الأخلاقي[9]{
والتعريف كما يُلاحظ يفترض مسلمات كامنة فيه, فالأخلاق تقتضي الحرية في الإرادة, لذلك نحن لا نناقش أفعال الحيوانات ونحكم عليها, ولا حتى من عنده قصور حاد يحول دون كمال الإرادة الواعية الحرة كالمجنون والصغير غير العاقل.

هذا من حيث الموضوع, كذلك يطرح التعريف الثمرة[10] (النتيجة), فنجده يقول :”الحكم بخيرية[11]” ومن ذلك يظهر سؤال من أبرز الأسئلة التي ستناقشها نظرية الأخلاق, وستختلف المدارس بوضوح بناء على الإجابة عليه, والمنطلقات التي اتكأت عليها للإجابة على سؤال }ما الخير الذي يجب علي فعله ليكون عملي صائبا؟{ (هذا السؤال بالإضافة إلى سؤال ما الذي يدفعني ويلزمني بأن أفعل الخير, ليكون فعلي صائبا؟ , يمثلان قطب ومحور النظرية الأخلاقية.)

وبعد بيان موقع وموضوع هذا العلم وثمرته, لعله أصبح من الواضح شيء من أهمية هذا العلم[12] ؛ وذلك لمُتعلقه المباشر بأفعالنا, وبالتالي حياتنا, سواء الشخصية أو العالمية, مما قد ينشأ عنه من حوار بين الحضارات أو صراع بينها, فالأخلاق تستطيع أن تكون جسر للتفاهم بين الذوات سواء الفرد في حواره مع نفسه أو الفرد مع غيره في المجتمع المنتمي له وغير المنتمي له أو ما بين المجتمعات كموجه مشترك جماعي للتفاهم.

وهنا نتسأل عن مكانة هذا العلم كنظرية فلسفية, مع باقي العلوم الانسانية, كعلوم الاجتماع والأنثروبولوجي والنفس والسياسة  وغيرها .
ونستطيع القول اجمالا أن هذه العلوم الإنسانية:
-  إما هي وصفية, تحاول فهم ما يحدث لأهداف معينة, كما في الاجتماع والانثروبولوجي والنفس, حيث تصف لنا تمظهرات القيم لدى الشعوب (انثروبولوجيا) أو سبب تشكل القيم لدى مخيال المجتمع ودوافعه (الاجتماع) أو الدوافع الشخصية والضغوطات التي تشكل السلوك الظاهر للفرد (النفس) .
- أو هي علوم واقعية تحاول تطبيق قيم أو أفكار مسلمة؛  لتجسدها على أرض الواقع, وفق الممكن كما هو في السياسة.

أيا ما يكن فإن ذلك يختلف عن الحديث في نظرية الأخلاق, إذ هي ليس إجرائية (عملية) كالسياسة, إنما هي معيارية: تهدف لتكون قيما موجِّهة, كمثال لما ينبغي أن تكون الحالة المثالية عليه, لا أفضل الحلول للواقع, أو طريقة تجسيد المثل في الدولة والواقع[13].
وبذلك علينا أن نكون مدركين بأن الفعل الانساني كظاهرة, تتجاذبه في الواقع العديد من المؤثرات والضغوطات, مما يجعل الحكم على الأفعال في موقف معين معقدا, والحكم على الأشخاص أقرب للاستحالة في حال إدراك كل هذه العوامل, التي تجعل من الانسان –لولا قدرته على الاستعلاء المعرفي بوعيه – أقرب إلى المجبور وأفعاله لصيقة بالحتمية.
لكن معرفة هذه المؤثرات والوعي بها, مع قيمٍ متعالية موجِّهةٍ, قد تخفف من وطأة هذه الحتمية, لتجعل من الإنسان في قلب المسؤولية وليحقق بالفعل ما استنبطنه من القوة على التجاوز.

وإلى هنا نكون قد عرفنا تصورا مبدئيا عن علم الأخلاق الذي يناقش المسائل النظرية المتعلقة بالفعل الأخلاقي, من خلال التعريف بأنه “العلم الحاكم على خيرية الفعل الإرادي” وذلك من خلال عدة مقدمات تهدف إلى تمييز هذا العلم للبدء في مسائله.
وكان بالإمكان تضمين المسائل[14] في التعريف[15]  ولكن متى ما أردنا أضافتها للتعريف يمكننا أن نقول هو : “العلم الدارس للفعل الإرادي الإنساني من حيث: طبيعة الخير وماهيته, ووجه الإلزام به, للحكم على خيرية الفعل, ومناقشة المدارس المتكلمة في الموضوع” فنكون بذلك رسمنا خارطة لمحاضرتنا, من خلال التعريف..

ويظهر في التعريف أبرز المسائل وعلى رأسها “طبيعة الخير وماهيته” ونحن قد افترضنا ابتداءً وجود قيمة الخير, على أن هناك اتجاهات تنفي هذه المسلمة من أساسها [16],
لكن يتحتم علينا التنازل والتسليم بوجود طبيعة للأخلاق, حتى يُسمح لنا بالدخول في مباحث علم الأخلاق, وحينها يمكننا الحديث عن عدة مسائل حول طبيعة الخير ما بين النسبية والشمول, كذلك من حيث كونها قيم نظرية متعالية أم اجرائية عملية .
ثم ان معرفتنا لطبيعة الخير يسبقه اعتماد للمصدر المحدد للأخلق (هل هي: من خارج الإنسان كالوحي, أم من داخله ثم هذا الأخير هل هو:  حدسي أم عقلي, والعقل هل هو نقاش: فردي أم جماعي)
ونؤكد أن الكلام هنا في المصدر ذو الأولوية, لا عن وجه الإلزام (وهو عبارة عن البدهية التي يتكئ عليها الاتجاه لتبرير مبدئه), فنستطيع مثلا تلفيق مذهب  يجعل من تأسيس الأخلاق العامة “المصدر” مبني على العقل, في حين أن الإلزام يحتِّمه الدين والجزاء الأخروي (الذي يجعل من خيار التجرد, وتحمل المسؤولية خيار جاد له عواقبه, وليس مجرد خيار فَضْلَة وترف)
ثم سنستفصل بعد ذلك عن ماهية هذا الخير وامكان صياغته في قانون أو مبدأ يستبطنه الإنسان خلال ممارسته أفعاله .

ومن بين المسائل العديدة السابقة, سيبين الجدول التالي أبرز المسائل, كعارض لها في الغالب لا مناقش أوناقد, فالمجال في هذه المقالة مجال عرض لا نقد, حتى لا يطول بنا التشعب والحديث[19].
كما ستضاف خانة لواضع كل اتجاه[20]  وسيتم الاكتفاء بذكر أبرز الاتجاهات, لأن امكان استيعاب الكل وحصره متعذر علي, خصوصا مع بروز العديد من الاتجاهات المعاصرة الحديثة[21], التي يطول الوقت في استقصائها, حيث أنه لا تكاد تكون هناك فلسفة أو فيلسوف له منظومة متكاملة, إلى وقد طرح محاولة للإجابة على سؤال الأخلاق.
وفي ذكر المذاهب الرئيسة غنية؛ فتكاد تكون باقي الاتجاهات في العموم تفريعات أو ايضاحات لها. يتلوا ذلك عرض تاريخ يتضح معه سياق نشوء هذه الاتجاهات.

الجدول

تفصيل الجدول عن طريق لمحة تاريخية موجزة:

-          العصور القديمة (القرن 7 ق.م – القرن 5 م)

مع بداية نشوء الفلسفة لدى اليونان [20], في نهاية القرن السابع قبل الميلاد وفي بعد قرنين من هذه البداية, ظهر الاستشكال حول المعرفة وإمكانها , ليصل إلى قول بنسبية الحقائق مع السفسطائيين, مما هدد بزوال معنىً للأخلاقٍ معيارية ترشد المجتمع المدني,
وذلك مهد لظهور الفلاسفة العظماء “سقراط – وأفلاطون – وأرسطو” الذين حاولوا إعادة إبراز الحقيقة؛ لتنتج مجتمع يرتقي أخلاقيا, فكان الأول “سقراط (ت: 399)”  يحاول استخراج الحقائق المكنونة في كل نفس, فالمهم أن “تعرف نفسك: لأنك متى عرفت وصلت للأخلاق, فالجهل هو السبب في غياب الفضيلة,
ثم حاول تلميذه “أفلاطون (348 ق.م)” تأسيس أخلاق أكثر وضوحا وصلابة, بناء على عالم المُثل التي تتجسد فيه الكمالات والكليات كوجود متكامل, ونحن نحاول تجسيدها متجاوزين الظلال المنعكسة في كهفنا الأرضي لنصل بإرشاد الفلاسفة إلى شمس الحقيقة والخير الأصليين.
وانتهى الأمر عند “أرسطو (ت: 322 ق.م)” بنظرة أكثر واقعية, منزلا عالم المثل الأفلاطوني إلى أرض الواقع, محافظا على نظرة أخلاقية متسامية, يطمح فيها الفرد للفضيلة التي تتوسط بين رذيلتين, مع بقاء التأمل على رأس هذه الفضائل.
لكن مع توسع الإمبراطورية اليونانية في عصر الاسكندر المقدوني “تلميذ أرسطو” وما تبعه من استلاء الإمبراطورية الرومانية, بدأت تتقوض فكرة المجتمع المدني “من المدينة” التي كانت محل تنظير الفلاسفة هادفة لإنشاء مجتمع الفضيلة, حيث توسعت السياسة واستقلت, مما غلب الأفكار الفردية كما نجده عند المدارس التي نشأة في هذا العصر الهيليني (323-146 ق.م) :
- كالكلبية: التي رفضت اللذة وحافظت على ضبط النفس للوصول للسعادة.
- والابيقورية: التي جعلت من اللذة الفردية مقياسا لها, ورفض كل المخاوف والآلام كالموت والآلهة وغير ذلك, لكن لم تكن تدعو للإفراط في الشهوات كما قد يظهر, إنما تدعوا المدرسة للّذة التي يقر العقل أنها لذة دائمة ونافعة, فالإغراق في الشهوات لا يولد لذة نافعة على المدى الطويل, لذلك كان التأمل والجلوس مع الأصدقاء في مراتب عليا من اللذة,
على أنه ظهرت نماذج متطرفة في هذا الاتجاه, تقول أن الانسان مادام يسعى للذة ودفع الألم, فإن هذه الحياة مجبولة على الكبد, مما يجعل خيار الانتحار هو الخيار الأمثل بناء على هذا المقياس؟!
- الرواقية: اهتمت بالانسجام مع القانون الطبيعي, حيث أن العقل الفردي عليه أن يتحد مع العقل الطبيعي (اللوغس) وأن ينسجم معه, ويرضى بخطة الطبيعة دون اعتراض على الأمراض والمحن, ليصل إلى ما يشبه وحدة الوجود مع الطبيعة المفكرة, ويلتزم بنظام أخلاقي صارم لينسجم مع الحياة.
وقد تطورت أفكار الابيقوريين في مراحل لاحقة مع الدولة الرومانية وتبوئهم بعض المناصب, فخرجت من أفكار اليونان حول المجتمع, لتبدأ بالتنظير عن الحقوق الطبيعية للبشر على قدم المساوة, لا التمايز الطبقي الذي كان واضحا عند فلاسفة اليونان.

لكن كل هذه الأفكار لم تجعل من الفرد قادرا على مواجهة مصاعب الحياة, مما فسح المجال أكثر للأخلاق التصوفية, التي تجعل للفرد أملا في حياة أخرى, ينال فيها تعويضا عن الحرمان الدنيوي, وكان من أبرز الفلاسفة بعد العصر الهيلين الذي مثل هذا الدور “أفلوطين (ت: 275 م)”, الذي مهدت أفكاره لسيطرة الفكر المسيحي في الحقبة التالية من القرون الوسطى المسيحية

-          العصور الوسطى (القرن 5 م – القرن 15 م)

-  المدرسية المبكرة (4م – 12م) : “أوغسطين” في بدايتها وانتهاء ب” أنسلم” حيث حاولت هذه المدرسة عقلنة الإيمان والبرهنة عليه دون أن يتجاوز العقل الإيمان.
- المدرسة العالية (13م – 14م): “توما الأكويني” التي أكدت على أن الخير والشر يمكن الوصل له بمعزل عن الإيمان, بحيث يمكن لغير المسيحي الوصول لحياة فاضلة وسعيدة, ولكن ينقصه –غير المسيحي- الخلاص الذي يميز الشخص المسيحي.
-المتأخرة (14م – 15م): ويليام الأوكامي ومارتن لوثر حيث تعزل هذه المدرسة العلاقة بين العقل والإيمان فلا مجال للإيمان أن يعقلن, والخير والشر مصدرها من الله صناعة.

-          العصور الحديثة (النهضة والتنوير والتصنيع والفترة المعاصرة” “16م – … )

يلي هذه العصور عصر النهضة الذي برز مع الاكتشافات العلمية وبداية ظهور المذهب التجريبي خصوصا لدى كل من “غاليليو(ت: 1642م)” و”نيوتن(ت:1727م)”, وظهور المفارقة الذات والموضوع, حيث أصبح للذات ثقة تطمح من خلالها للسيطرة على العالم,
مما أعقبه جدل فلسفي  في عصر التنوير حول المناهج بين العقلية المثالية والمناهج التجريبية الواقعية, والاستشكال حول أولوية العقل أم التجربة, لبناء منظومة متسقة تواكب النتاج العلمي الحاصل.
كل ذلك أقصى كثيرا من الفكر الديني الذي ولّد الكثير من الصراعات, مما جعل الكثير من المفكرين السياسيين يتبنون أفكارا تهدف إلى توطيد الاستقرار الأمني وتبرير الاستبداد؛ لضبط الكائن الإنساني الأناني والشرير الطبع, كما عند “ميكافيللي (ت:1527م)” و”هوبز(ت: 1679م)”, وأصبحت تبرر للحكام استخدام الأخلاق كوسيلة لفرض الاستقرار في البلاد.
وفي مقابل ذلك جاءت الفلسفات التي تؤكد على فكرة الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي كما عند “جون لوك (ت:1704 م)”. وشهد الفكر السياسي الكثير من التطورات كظهور نظرية فصل السلطات عند “مونتسيكو (ت:1755 م)”.
وكان لـ”كانط (ت:1804 م)” الكلمة الختامية التي توجت عصر التنوير بعدما استوعب من سبقه من فلاسفة الأنوار, وحاول الجمع بين المدرسة العقلية باتجاهاتها المختلفة عند “ديكارت” و”سبينوزا” و”لايبنتز”, والتجريبين كما عند “جون لوك” و”ديفيد هيوم” و”بيركيلي” المثالي!
حيث جعل “كانط” للواقع تمظهرا تشكله المسبّقات التي تمليها عليه الفطريات العقلية, فكأن هذه المسبّقات الفطرية نظّارة ننظر من خلالها  للواقع, فهي التي تفرض علينا الحدود وشكل التمظهر الخارجي مهما تغير شكل الواقع المعروض عليها.
وبذلك جعل الدين خارج حدود المعرفة العقلية, مؤكدا على أهمية الرشد الإنساني: بحيث تكون له الجرأة على استخدام العقل, دون أي وصاية مفروضة عليه من خراجه, وذلك في مجال العقل الخالص (النظري) أو في مجال العقل العملي, الذي من ضمن صلاحياته تحديد قانون أخلاقي يفرض نفسه كقانون المنطق الذي يجعل من الاتساق ورفع التناقض بدهية يؤسس عليها, فوضع قانون للفعل الأخلاقي يكون منطوقه: أن عليك لتكون متسقا أن “تفرض أن فعلك يصلح ليكون فعلا لكل الناس”, بحيث لا تسمح لنفسك القيام بالفعل دون باقي الناس؛ فتكون متناقضا.
وجعل من هذه الأخلاق غايات لذاتها, مفصولة عن ما قد تثمر عنه من سعادة أو نفع, وإن كانت حاصلة, فذلك لا يجعل من السعادة أو المنفعة الهدف الأسمى, أنما الإنسان غاية بذاته فيكون قانون الأخلاق واجب لذاته, كل هذا الوجوب والإلزام لنظريته التي أرادها كنسق بديل عن أخلاق الواجب الدينية, ليعلمن أخلاق واجب منطقية, ثم جعل من لوازم هذا القانون فكرة خلود النفس ووجود الله, ليست كأساس للأخلاق أكثر من كونها ناتج يحتمه ضرورة الرقي الأخلاقي.

وبقيت كل هذه الفلسفات تفرض حقائق معينة بعد بحث فلسفي ذاتي لكل فيلسوف مع نفسه, وتعددت بذلك الحقائق, ثم مع نشأة وتطور العلوم الإنسانية  بدأت تتخلخل فكرة الحقيقة المطلقة, فنجد أن عالم الاجتماع “ماكس فايبر(ت:1864م)” ذهب في النهاية إلى أن الأخلاق ما هي إلى عن إرادة يخلقها المجتمع لتكون مرشدا لهم, دون أن يعني ذلك أن لأي اختيار ميزة متجردة لذاتها عن غيرها, إذ هو أقرب ما يكون عن ترجيح بين خيارات متساوية, يختارها كل مجتمع وفق ما يخدمه,
وتطور الاقتصاد كثيرا مع “ادم سميث (ت: 1790م)” وبرزة بوضوح أفكار قياس المنافع والربح وذلك جعل “جون استورت مل(ت: 1873م)” يبني نظريته الأخلاقية لرفع أعلى قيمة للسعادة بحيث تشمل أكثر قدر من اللذة لأكبر عدد من الناس مع محاولة تعديله لفكرة سابقيه “بنتنام” ووالده “استورت مل” ليركز على أهمية عدم اهمال الحقوق الفردية والحفاظ عليها من أن تكون ضحية تسلخ في مذبحة المنفعة العامة
و ظهرت الماركسية (كارل ماركس ت: 1883م) كردة فعل على هذا الاقتصاد الرأس مالي, لكنها جعلت من الأخلاق والدين عبارة عن افتراضات لا حقائق  يؤسسها الناس بناء على وضعهم الاقتصادي,
مع “فرويد(ت: 1939م)” أوضح علم
النفس أهمية اللاشعور في تكوين سلوكنا لا الوعي الراشد, وهكذا مع باقي العلوم الإنسانية التي هزت من وثوقية الحقائق المطلقة,
حتى أعلن “نيتشيه (ت:1900م)” حينها موت الإله! الذي كان يعني وجود حقائق مطلقة, لتصبح عنده الحقائق ماهي إلا أوهام نسينا أنها كذلك!, والحقائق مجموعة أكاذيب يحتاجها المجتمع للعيش, وكيف أننا محاطون بأقنعة من الزيف اكثر من الحقائق, ومن ذلك زيف اللغة نفسها. مما قوض كل ادعاءات العقلانية التنويرية والأخلاق التي دعت إليها.

 وكان بذلك “نيتشة” أول من دشن لأفكار ما بعد الحداثة التي تنبأت بإفلاس قيم الحداثة, وبشرت بالدمار التي ستجنيه الإنسانية على نفسها, مما يجعل من الحروب العالمية التي نتجت كحتمية واضحة لهذا المسار,
فانبثقت الكثير من الاتجاهات كالوجودية التي حاولت اعادة الاعتبار للإنسان, والرومانسية التي قدمت الشعور والإحساس على العقل وكان للاتجاهات التي أعادت البحث في اللغة وحاولت رفع اللبس عنها, أبرز أثر على الفلسفة المعاصرة, من ذلك
-  تطور اللسانيات مع دي “سوسير (ت: 1913 م)” ثم المدرسة البنيوية.
- بروز الاتجاه التأويلي: في الفلسفة الهرمنيوطيقية وتطورها من جديد.
- التحليل اللغوي: الذي تمثلتها المنطقية الوضعية في حلقة فينا.
- فلسفة اللغة العادية: محاولة تجاوز الانغلاق على الشكل الجاف للغة الذي سيطر على المنطقية الوضعية, واعادة الاعتبار للسياقات التي يجري فيها الخطاب.
- التداولية: برزت التداولية كاتجاه جديد في اللسانيات, لقى دعما ورواجا أدى إلى نشوء الكثير من التيارات التداولية, كالتداولية الخطابية لدى “فوكو”, والتداولية التواصلية لدى “هابرماس”, والتداولية الاجتماعية …

 كل ذلك أبرز الاتجاه التواصلي النقدي الذي جعل من الجواب على سؤال الأخلاق يتمثل فما: تُجمع عليه مجموعة النقاش في حوار الحر, بدون وجه قهر, بحيث يكون الجواب إجرائيا نقديا (بدل الأجوبة المعيارية المطلقة التي كانت تبشر بها الأنوار) كانت هذه النتيجة التي يمثلها من المعاصرين “هابرماس (ولد:1929م)”, نتيجة تراكم من الأفكار المتجادلة في العصور القديمة والوسطى والحديثة التي بدأت رافعة من العقلنة والعقلانية حتى غرقت في العدمية, وحاول “هابرماس” بهذه العقلانية النقدية التداولية إعادة الاعتبار للعقل معلنا أن الحداثة قول لم يكتمل بعد.
ولازالت العديد من الأفكار ومحاولة الإجابة والنقد مستمرة, حتى من تلامذة “هابرماس” من الجيل الثالث من مدرسة “فراكفورت”, كما نجد ذلك عند فلسفة الاعتراف لدى “أكسيل هونث (ولد:1949م)” المؤكد على عدم فاعلة النقاش وحده دونما يسبقه اعتراف بالغير يجعل من النقاش يقترب من الوصول للحقائق لا الدفاع عن المصالح الشخصية,
وكذلك تلميذة “هابرماس” التركية “سيلا بنت حبيب (ولدت:1950م)” التي تراكم لها كل ماسبق مع أفكار أستاذها وكذلك زميلها هونث لتبلور مفهوم التعددية الثقافية, وكلا التلميذين حاولوا دفع الفلسفة المعاصرة للانعتاق من زجاجة اللغة التي تحررت التادولية من الغرق في ماءها ثم كانت هذه المحاولة تهدف للخروج من فوهة الزجاجة بالكامل والنزول للواقع والاعتراف والقبول بتعددية تصل إلى تفاهم يحقق العيش وفق قيم مشتركة.

________________________________________

[1] “الابستمولوجيا” Epistemology  نظرية المعرفة: المناقِشة للمعرفة الانسانية, من حيث: امكانها وحدودها, ومصادرها, وطبيعتها بالعالم, وما يتعلق بهذه المواضيع.

[2] “الانطولوجيا” Ontology نظرية الوجود: المتعلقة بقوانين الوجود, من حيث هو وجود, كالعرضية والجوهرية, والاستحالة والوجوب والامكان, وما يتعلق بذلك.

[3] ” الاكسيولوجيا ” Axiology

[4] يشمل طريقة الوصول للحقائق سواء النظرية ووضع له علم المنطق كالمنطق أو المناهج العلمية “الميثيدولوجيا”.

[5] “الاستيطيقيا” مبحث الجمال: الباحثة في الفعل الفني والجمالي.

[6] هذا التقسيم يبين نسبة هذا العلم وموقعه من بين العلوم, وهي أحد المقدمات العشرة للعلوم, وسنضيف علاقتها بالعلوم الاجتماعية والانثروبلوجيا والنفسية والسياسية. اضافة إلى ما ذكرنا من أسماء هذا العلم كمقمة أخرى.

[8] موضوعه أي: المادة الخام التي يدرسها العلم, كما يدرس علم الطب البشري: الجسم الإنساني كمادة ليدرها هذا العلم , والصرف: يدرس الكلمة كمادة من حيث تشكلاتها , وهكذا.

[9] الأخلاق بالقوة.

[11] ونحن عندما نقول الصوابية فإن تحديدنا للفعل الصائب يقتضي تمايز ضده “الفعل الخاطئ”, وهذه النقطة مهمة في نقاشاتنا, فعند تحديد تعريف لمصطلح, عند تحرير محل النزاع, على التعريف أن يكون ذوا معنى, وذلك  يشترط أن يتميز مع التعريف ضده, فمثلا,, نحن لا يمكننا أن نقول أن الصوابية تعني: كل فعل إنساني لأننا بذلك لم ندع مجال لوجود الحكم الخاطئ أصلا, وكل ما فعلناه أننا عرفنا الفعل الإنساني لا الصوابية, عموما أردنا أن نشير هنا إلى أن النظرية الأخلاقية تحدد الخير كقيمة موجهة للفعل الصائب, بعكس الشر كفعل خاطئ.

[13] فمثلا مفهوم العدالة قيمة اخلاقية, لكن آلية تطبيقها, وتفصيل ممارستها, في الدولة يخضع للسياسة ونظرياتها.

[15] لولا خشية التطويل في التعريف, إذ غاية التعريف تمييز المراد من العلم, في أخصر عبارة, ونعتقد أن في ذكر الموضوع والثمرة يحقق الغاية

[16] كما نجد ذلك لذا السفسطائيين في عصور ما قبل الميلاد وامتداداتها في بعض أفكار ما بعض الحداثة, التي هاجمة العقل, وغرقت في نسبية عدمية, وكذلك من الاتجاهات المعاصرة ما هو عند مدرسة المنطقية الوضعية, الذي تحلل الحكم الأخلاقي تحليل لغويا باعتباره انفعالا[16]  أو أمرا[17] أو وصفا[18] وكان ذلك نتيجة ما فرضته هذه المدرسة التحليلية على نفسها, من رفض للميتافيزيقا, والإنغلاق على تحليل العبارات اللغوية, وتميز ماله معنى وما ليس ذو معنى.

[16] الانفعال: ردة فعل غرزية يصحبها أحيانا صوت مثل صرخة الخوف, فيكون عندهم قولك للرجل الذي أنقذ فتاة أنه فعل عظيم وجيد عبارة عن انفعال.

[17] مثلا قولك أن بر الوالدين خلق رفيع عبارة عن أمر يتوجه للغير كابنك مثلا بأن يحسن إليك.

[18] وصفا تعبر به عن انطباعك الشخصي حول فعل معين.

[19] فمثلا لو أردنا مناقشة الملزم في المذاهب الأخلاقية , سنطرح نقاشا يبحث المبرر في تجاوز الهوة والانتقال من الوجود إلى الوجوب (وهو الإشكال الذي طرحه هيوم) إذ أن النظريات الأخلاقية  تنتقل من وصف موجود إلى أمر وجوبي دون مبرر, فمثلا عندما نقول قطع الإشارة مخالف للأنظمة؛ لذلك يجب عليك الامتناع عن قطع الإشارة, فإن هنا انتقالا يخفي مقدمات دون أن يبرر لها, وفي هذا المثال فإن هناك مقدمة متوسطة وهي: أنه يجب عليك الالتزام بالقانون, فتكون القضية متكاملة حيث نقول , قطع الإشارة مخالف للقانون, ويجب عليك الالتزام بالقانون؛ لذلك يجب عليك عدم قطع الإشارة, لكن هذه المقدمة المتوسطة هي بنفسها أيضا تحتاج مبررا, فلماذا يجب علي الالتزام بالقانون؟!, وهكذا سنستمر إلى أن نصل إلى إشكالية التأسيس النهائي, التي هي أقرب إلى أن تكون مبحثا ابستمولوجيا من كونها مبحثا اكسيولوجيا “قيميا”,, وهنا تظهر اختلاط المباحث الثلاث الرئيسة في الفلسفة, وهي عند بعض الاتجاهات أوضح منها لذا غيرها الذي يفصل بين هذه المباحث, فمثلا نرى تصور أفلاطون الأنطولوجي “الوجودي” بارز في نظرية المعرفة والقيم عنده, وذلك يتجلى في تنظيره لجمهوريته, وفيما يتعلق بنظرية القيم عنده “حتى لا نطيل الاستطراد” نرى أنه يرى بطرد وابعاد الفنانين من الشعراء وغيرهم, الذين يزيفون تمثيل المثل للناس!.

[20] والواضع أحد المقدمات العشرة

[20]عادة ما يبرز تاريخ الفلسفة مع نهاية القرن السابع  قبل الميلاد في الحضارة اليونانية, وذلك مع بداية استقلال العقل في محاولته لفهم الطبيعة, بعيدا عن الخرافات التي كانت تفرض نفسها في تصور الطبيعة,
ومع تجمع العديد من العلوم مستفيد من الحضارات السابقة لها والأعرق منها, بدأ يتضح السؤال الفلسفي الذي بدأ مع الجيل الأول من الطبيعيين بالبحث عن المادة الأصل المكونة للطبيعة مع “طاليس (ت: 543 ق.م(“, وتنوعت بعده الإجابات على هذا السؤال,
ثم انتقل محور السؤال من البحث عن المادة الأصل إلى البحث عن طبيعة التغيير والثبات في الطبيعة, بل وتجاوز البحث كل ذلك ليصل بعد الجيل الثالث إلى الاستشكال حول المعرفة نفسها.

[21] للاطلاع على أبرز الاتجاهات المعاصرة “أخلاق: الكون والمسؤولية والسمو” انظر كتاب “الفكر الأخلاقي المعاصر”, ولأخلاق العناية عند النسوية, انظر كتاب “أخلاق العناية” دار المعرفة, وللمحة عن الأخلاق عند التفكيكين والمجموعاتية, انظر, مقال “نظريات معاصرة في الأخلاق للسيد ولد أباه”,, وكل المصادر متوفرة كنسخ الكترونية

ذكر ياقوت الحموي في ( معجم البلدان ) في الجزء الثالث باب الراء والياء , ترجمة مدينة الريّ:

imagesCAEY53BS

كانت الريّ مدينة عظيمة ، خرّب أكثرها..
واتفق أنني اجتزت في خرابها في سنة 617 فرأيت حيطان خرابها قائمة، ومنابرها باقية، وتزاويق الحيطان بحالها؛ لقرب عهدها بالخراب إلا أنها خاوية على عروشها.
فسألت رجلا من عقلائها عن السبب في ذلك فقال : أما السبب فضعيف ولكن الله إذا أراد أمرا بلغه:

كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل ،وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم.
فوقعت العصبية بين السنة والشيعة، فتضافر عليهم الحنفية والشافعية ،وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف.
فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية هذا مع قلة عدد الشافعية إلا أن الله نصرهم عليهم .
وكان أهل الرستاق وهم حنفية يجيؤون إلى البلد بالسلاح ويساعدون أهل نحلتهم فلم يعنهم ذلك شيئا حتى أفنوهم.
فهذه الحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية وهي أصغر محال الري ولم يبق من الشيعة والحنفية إلا من يخفي مذهبه،
ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض ودورهم التي يسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة وصعوبة المسلك فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات ولولا ذلك لما بقي فيها أحد.

تحت عنوان (انتصاب الشارع للتشريع في كتابه: مقاصد الشريعة)
كتب  الإمام الطاهر بن عاشور

<…> فما يهم الناظر في مقاصد الشريعة تمييز مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفرقة بين أنواع تصرفاته <…>

<…> وهي  اثني عشر حالا: التشريع ، والفتوى ، والقضاء ، والإمارة ، والهدى ، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرد عن الإرشاد<الجبلة والعادة>

1-   فأما حال التشريع

فهو أغلب الأحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لأجله بعثه الله كما اشار إليه قوله تعالى: ((وما محمد إلا رسول)) وقرائن الانتصاب للتشريع ظاهرة.

أمثلة:
- خطبة حجة الوداع وكيف أقام مسمّعين يسمّعون الناس ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حجه الوداع: (خذوا عنى مناسككم) وقوله: عقب الخطاب: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب).

2-   وأما حال الإفتاء

<  يقصد الأحوال التي يجيب فيها عن الأسئلة والفتوى التي ترد عليه >

أمثلة:
ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع على ناقته بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: لم أُشعر فحلقت قبل أن أنحر فقال: (انحر ولا حرج) ثم جاء آخر فقال:نحرت قبل أن أرمى، قال: (ارم ولا حرج) ثم أتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل ان أرمى قال: (ارم ولا حرج) فما سئل عن شيء قُدم ولا أُخر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض إلا قال: (أفعل ولا حرج)

3-   وأما حال القضاء

تعريفه:
فهو ما يصدر حين الفصل بين المتخاصمين المتشادّين. فكل تصرف كان بغير حضور خصمين فليس بقضاء مثل ما في حديث هند بنت عتبة <وفيه أنها شكت بخل أبي سفيان وعدم إعطائها ما يكفيها من المال، فأجاز لها أن تأخذ بدون علمه بالمعروف>

أمثلته:
- قوله صلي الله علية وسلم: (امسك يا زبير حتي يبلغ الماء الجدر ثم أرسله)
- وقضائه في خصومة الحضرمي والكندي في أرض بينهما
- وقوله حين شكت إليه حبيبة بنت سهل الأنصاري زوجة ثابت بن قيس وذكرت أنها لا تحبه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟) قالت : كل ما أعطاني هو عندي فقال رسول الله لثابت: (خذ منها) فأخذ حديقته وطلقها.


من علاماته:

قول الخصم للرسول صلي الله عليه وسلم: اقض بيننا، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” لأقضين بينكما”

أمثلة لهذه العلامة:
- عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء أعرابي ومعه خصمه فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال خصمه وكان أفقه منه: صدق اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم وذكرا قضيتهما فقال رسول الله: (لأقضين بينكما بكتاب الله …)

<…>

وهذه الأحوال الثلاثة <التشريع والإفتاء والقضاء> كلها شواهد التشريع وليست التفرقة بينها إلا لمعرفة اندراج أصول الشريعة تحتها.

<مسألة تتعلق بـ> الفتوى والقضاء <دون التشريع>: كلاهما تطبيق للتشريع
ويكونان في الغالب <1>  لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي <أي تنزيلا للحكم النظري في الواقع العملي>
وقد يكونان <2>   لأجل عموم وخصوص وجهى بين الحكم التشريعي العام وبين حكم المسألة أو القضية بأن يكون المستفتي قد عرض لفعله عارض أوجب اندراجه تحت قاعدة شرعية لا لكون الفعل نفسه مندرجا تحت قاعدة شرعية <معناه أن المسألة يكون لها حكم في أصلها (جائزة مثلا) لكن لدخول عارض عليها تغير الحكم (جعلها محرمة بالفتوى أو القضاء مثلا) لأجل ذلك العارض فإذا زال العارض رجع الحكم لأصله (فيعود للجواز مثلا)>.

مثاله <تغير الحكم لعارض> في الفتوى:
- النهي عن الانتباذ في الدّبّاء والحَنْتَم والمُزَفّت والنقير فإن هذا النهى تعين كونه لأوصاف عارضة توجب تسرع الاختمار لهذه الأنبذة في بلاد الحجاز فلا يؤخذ ذلك النهى أصلا يحرم لأجله وضع النبيذ في دباءة أو حنتمة مثلا لمن هو في قطر بارد ولو قال بعض أهل العلم بذلك= لعرض الشريعة للاستخفاف.

- وكذلك القول في الأقضية مثل قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار فإن ذلك يحمل على أن الراوي رأى جارا قضى له بالشفعة ولم يعلم أنه <الجار> شريك.

4-   وأما حال الإمارة

<اجتهاد بشري يجب على المأمورين خاصة اتباعه وليس حكما عاما>


أمثلة
:
- النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية في غزوة خيبر فقد اختلف الصحابة:
<1> هل كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأمره بإكفاء القدور التي طبخت فيها نهي تشريع فيقتضى تحريم لحوم الحمر الأهلية في كل الأحوال؟
<2> أو نهي إمرة لمصلحة الجيش لأنهم في تلك الغزوة كانت حمولتهم الحمير
- وقوله صلى الله عليه وسلم : (من أحيى أرضا ميتة فيهي له) قال القرافي: “اختلف العلماء في هذا القول
<1> هل هو تصرف بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يحيي أرضا ولو لم يأذن الإمام؟
<2> أو هو تصرف بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام؟”

- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: (من قتل قتيلاً فله سلبه):
<1> فجعله مالك تصرفا بالإمارة فقال: لا يجوز إعطاء السلب إلا بإذن الإمام وهو من النفل وهو خارج من الخمس الذى هو موكول لاجتهاد أمير الجيش وبذلك قال أبو حنيفة أيضا
<2> وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يتوقف ذلك على إذن الإمام بل هو حق للقاتل فرأوه تصرفاً بالفتوى والتبليغ.

5-   وأما حال الهدي والإرشاد

تعريفه:
فالهدي والإرشاد أعم من التشريع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يأمر وينهى وليس المقصود العزم <الوجوب>، ولكن المقصود الإرشاد الى طرق الخير فإن المرغبات وأوصاف نعيم أهل الجنة وأكثر المندوبات من قبيل الإرشاد. فالهدى والإرشاد هنا خصوص الإرشاد إلى مكارم الأخلاق وآداب الصحبة وكذلك الإرشاد إلى الاعتقاد الصحيح.

أمثلة:
- في الحديث الصحيح عن أبى ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عبيدكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل مالا يطيق فإن كلفه فليعنه) قال الراوي: لقيت أبا ذر وغلاما له وعلى غلامه حلة فقلت أبى ذر: ما هذا ؟ فقال : تعال أحدثك ، إني ساببت عبداً لي فعيرته بأمه ، فشكاني الى رسول الله فقال رسول الله: ( أعيرته بأمه يا أباذر) قلت: نعم ، قال: (إنك امرؤ فيك جاهلية عبيدكم خولكم….) الحديث

6-   أما حال المصالحة بين الناس

فهو حال يخالف حال القضاء <بمعنى أنه ليس تطبيقا لأمر تشريعي ملزم كالقضاء>

أمثلة:
- تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اختصم إليه الزبير وحميد الأنصاري في شراج <:سيل الماء> الحرة <:مكان> كانا يسقيان به فقال رسول الله للزبير: (اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك) فلما غضب حميد الأنصاري قال رسول الله للزبير: )اسق ثم احبس حتى يبلغ الماء الجدر) قال عروة بن الزبير:وكان رسول الله أشار برأي فيه سعة للزبير وللأنصاري ثم استوعى رسول الله للزبير حقه في صريح الحكم.

- وقضية كعب بن مالك حين طالب عبد الله بن أبى حدرد بمال كان له عليه فارتفعت أصواتهما في المسجد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا كعب) وأشار بيده أي ضع الشطر فرضي كعب فأخذ نصف المال الذى له على ابن أبى حدرد.

7-   واما حال الإشارة على المستشير

<يكون حين يستشير أحد الصحابة الرسول في أمر ما فيشير عليه الرسول برأيه لا على وجه الإلزام أو التشريع>

أمثلة:

- في الموطأ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله <تصدق بفرس صالح للجهاد على رجل>، فأضاعه الرجل الذى أعطاه عمر إياه <أهمله الرجل الذي تصدق عليه عمر حتى هزل الفرس وضعف >، ورام <:أراد الرجل> بيعه، فرام عمر أن يشتريه وظن أن صاحبه بائعه برخص. فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: (لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم فإن الراجع في صدقته كالكلب يعود في قيئه).
فهذه إشارة من رسول الله على عمر ولم يعلم أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل ذلك نهيا علنا فمن أجل ذلك اختلف العلماء في محمل النهى:
<1> فقال الجمهور: هو نهى تنزيه كيلا يتبع الرجل نفسه ما تصدق به فجعله لله وحمل على هذا قول مالك في الموطأ والمدونة لجزمه بأن ذلك البيع لو وقع لم يفسخ
<2> وحمله <مالك> في الموازية على التحريم ولم يقل: إن البيع يفسخ مع أنه لو كان نهى تحريم لأوجب فسخ البيع لأن أصل المذهب <المالكي> أن النهى يقتضى الفساد إلا لدليل.

- وعلى هذا المحمل يحمل عندي حديث بريرة حين رام أهلها بيعها ورغبت عائشة في شرائها واشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم وأبت عائشة ذلك وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كالمستشيرة فقال لها: (لا عليك أن تشترطي لهم الولاء) وفي رواية: (خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق) ففعلت عائشة ذلك ثم خطب رسول الله في الناس خطبة قال فيها: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله…(الى قوله) وإنما الولاء لمن أعتق) فلو كان قوله لعائشة تشريعا أو فتوى <قوله: (اشترطي لهم الولاء) قد يعد دليلا على صحة الشرط> لكان الشرط ماضيا <صحيحا> ولعارض قوله في الخطبة )إنما الولاء لمن أعتق) ولكنه <حين قال: (اشترطي لهم الولاء)>  كان إشارة منه على عائشة بحق شرعي <وهو أنه مهما اشترطت ذلك فإن الولاء لها، فكان من قبيل الإرشاد لا الفتوى والإقرار بصحة الشرط> حتى تسنى لها التحصيل عليه مع حصول رغبتها في شراء بريرة وعتقها.
وهذا منزع في فهم هذا الحديث هو من فتوحات الله على وبه يندفع كل إشكال حير العلماء في محمل هذا الحديث.

- وعلى مثل هذا المحمل حمل زيد بن ثابت نهي رسول الله عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه ففي صحيح البخاري عن زيد: كان الناس في عهد رسول الله يبتاعون الثمار فإذا جذّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الدُّمان أصابه مُراض أصابه قُشام (عاهات يحتجون) بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة: (فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر) قال زيد بن ثابت:كالمشورة يشير بها عليهم لكثرة خصومتهم.

8-   وأما حال النصيحة

<وهي قريبة مما قبلها على أنه في حال النصيحة يبتدر بها الرسول لأصحابه دون سابق استشارة كما في حال المشورة>

أمثلة:
- ما في الموطأ والصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه بشير بن سعد نحل <أهدى> النعمان ابنه غلاما من ماله دون بقية أبنائه. فقالت له زوجه عمرة بنت رواحة وهي أم النعمان: لا أرضى حتى تشهد رسول الله فذهب بشير وأعلم رسول الله بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أكل ولدك نحلت مثله؟) قال : لا. قال:  (لا تشهدني على جور) وفي رواية: (أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء) قال : نعم قال: (فلا إذن(.

<1> فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن رسول الله نهى بشيرا عن ذلك نظرا إلى البر والصلة لأبنائه ولم يرد تحريمه ولا إبطال العطية <من الوالد لأحد الأبناء> ولذلك قال مالك: يجوز للرجل أن يهب لبعض ولده ماله ، وما نظروا إلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يشتهر عنه هذا النهي علمنا أنه نهي نصيحة لكمال إصلاح أمر العائلة وليس تحجيرا ويؤيد ذلك ما في بعض روايات الحديث أنه قال: (لا ، أشهد غيرى)

<2> وذهب طاوس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسفيان وداود بن علي إلى تحريم مثل هذه النحلة وقوفا منهم عند ظاهر النهى.

- ومن هذا أيضا حديث فاطمة ابنة قيس في صحيح مسلم أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن معاوية بن أبى سفيان وأبا جهم خطباها فقال لها رسول الله: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك) لا يدل على انه لا يجوز للمرأة أن تتزوج برجل فقير ولكنها استشارت رسول الله فأشار عليها بما هو أصلح لها.

9-   وأما حال طلب حمل النفوس على الأكمل من الأحوال

 

تعريفه:

 فذلك كثير من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونواهيه الراجعة الى تكميل نفوس أصحابه وحملهم على ما يليق بجلال مرتبتهم في الدين من الاتصاف بأكمل الأحوال مما لو حمل عليه جميع الأمة لكان حرجا عليهم. <…>

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه مشرعا لهم بالخصوص فكان يحملهم على أكمل الأحوال لأنهم أعدوا ليكونوا حملة هذا الدين وناشري لوائه <…>

أمثلة:

- في صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع: (أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ، وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإفشاء السلام وإجابة الداعي.. ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة وعن المياثر الحمر والقسّيّة والإستبرق والديباج والحرير<أشكال من الترفه>) فجمع مأمورات ومنهيات مختلطة بعضها مما علم وجوبه في مثل: نصر المظلوم مع القدرة. وتحريمه في مثل: الشرب في آنية الفضة. وبعضها مما علم عدم وجوبه في الأمر مثل: تشميت العاطس وإبرار المقسم. أو عدم تحريمه في النهى مثل: المياثر والقسية.

فما تلك المنهيات إلا لأجل تنزيه أصحابه عن التظاهر بمظاهر البذخ والفخفخة للترفه وللتزين بالألوان الغريبة وهى الحمرة ، وبذلك تندفع الحيرة في وجه النهى عن كثير مما ذكر في هذا الحديث مما لم يهتد إليه الخائضون في شرحه.

- ويشهد لهذا ما رواه أبوداود عن على بن أبى طالب أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسِّيِّ ، وعن لبس المعصفر وعن تختم الذهب وعن القراءة في الركوع والسجود ولا أقول نهاكم). يعنى أن بعض هذه المنهيات لم ينه عنها جميع الأمة بل خص بالنهى عليا.

- ومن الأمثلة حديث أبى رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بصقبه) أي: ما يليه. أي: أحق بشرائه إذا باعه جاره. فما هو إلا لحمل أصحابه على المواساة والمؤاخاة ولذلك جعل الجار منهم أحق بالشفعة لأجل الصقب ، أي: القرب ولولا كلمة )أحق) لجعلها الحديث لمجرد الترغيب فلما وجدنا كلمة )أحق) علمنا أنه يعنى الجار من الصحابة أحق بشفعة عقار جاره فلا تعارض بينه وبين حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشفعة في ما لم يقسم ، فإذا حددت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة(

- وكذلك حديث الموطأ والصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمنع أحدكم جاره خشبةً يغرزها في جداره) ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم)
<1> فحمل ذلك أبو هريرة على التشريع. <2> وحمله مالك على معنى الترغيب. <…>

- وحديث رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع أنه قال: لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقا قال رافع: قلت: ما قال رسول الله فهو حق ، قال: دعاني رسول الله فقال: ( ما تصنعون بمحاقلكم؟) قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير ؟ فقال: (لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها) قال رافع: قلت: سمعا وطاعة.

فتأوله معظم العلماء على معنى أن رسول الله أمر أصحابه أن يواسى بعضهم بعضا ولذلك ترجم البخارى هذا الحديث بقوله: باب ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسى بعضهم بعضا فى الزراعة والثمرة.

10-                     وأما حال تعليم الحقائق العالية

فذلك مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أصحابه

أمثلته:
- ما روى أبو ذر قال : قال لى خليلي: )يا ذر أتبصر أُحُدا؟) قلت: نعم ، قال: (ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير)
فظن أبو ذر أن هذا أمر عام للأمة فجعل ينهى عن اكتناز المال ، وقد أنكر عليه عثمان رضى الله عنه

11-                     وأما حال التأديب

فينبغي إجادة النظر فيه لأن ذلك حال قد تحف به المبالغة لقصد التهديد فعلى الفقيه أن يميز ما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التشريع، وما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التوبيخ والتهديد ولكنه تشريع بالنوع أي بنوع أصل التأديب.

أمثلته:
- ذلك ما في الموطأ والصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (والذى نفسى بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف الى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذى نفسى بيده لو يعلم أحدهم انه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) .

فلا يشتبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليحرق بيوت المسلمين لأجل شهود صلاة العشاء فى الجماعة ولكن الكلام سيق مساق التهويل في التأديب  أو أن الله أطلعه على أن أولئك من المنافقين وأذن له بإتلافهم إن شاء.

- ومنه أيضا ما ورد في صحيح البخاري عن أبى شريح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن) فقلنا : ومن هو يا رسول الله؟ قال: (من لا يأمن جاره بوائقه)
فخرج الكلام مخرج التهويل لمن يسئ الى جاره حتى يخشى أن لا يكون من المؤمنين والمراد نفى الإيمان الكامل.

12-                     وأما حال التجرد عن الإرشاد

<الجبلة والعادة>

تعريفه:
ما يتعلق بغير ما فيه التشريع والتدين وتهذيب النفوس وانتظام الجماعة ولكنه أمر يرجع إلى العمل في الجبلة وفي دواعي الحياة المادية.
وأمره لا يشتبه فإن رسول الله يعمل في شؤونه البيتية ومعاشه الحيوي أعمالا لا قصد منها إلى التشريع ولا طلب متابعة. وقد تقرر في أصول الفقه أن ما كان جبليا من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون موضوعا لمطالبة الأمة بفعل مثله بل لكل أحد أن يسلك ما يليق بحاله

أمثلته:
- وهذا كصفات الطعام واللباس والاضطجاع والمشي والركوب ونحو ذلك سواء كان ذلك: (خارجا عن الأعمال الشرعية) كالمشي في الطريق والركوب في السفر ،أم كان (داخلا في الأمور الدينية) كالركوب على الناقة في الحج ومثل الهوي باليدين قبل الرجلين في السجود عند من رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهوى بيديه قبل رجليه حين أسن وبدن وهو قول أبي حنيفة.

- وكذلك ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في حجة الوداع بالمحصب الذى هو خيف بنى كنانة ويقال له: الأبطح فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم هجع هجعة ثم انصرف بمن معه إلى مكة لطواف الوداع.
<1> فكان ابن عمر يلتزم النزول به في الحج ويراه من السنة ويفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<2> وفى البخاري عن عائشة أنها قالت: (ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه الى المدينة) تعنى : أنه مكان متسع يجتمع فيه الناس وبقولها قال ابن عباس ومالك بن أنس.

- وكذلك حديث الاضطجاع على الشق الأيمن بعد صلاة الفجر
- وفى حديث يوم بدر أن رسول الله سبق قريشا الى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به بالجيش فقال له الحباب بن المنذر : يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله : بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فإني أعرف غزارة مائة وكثرته فننزل ثم نغور ما عداها من القلب فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  لقد أشرت بالرأي

- وفى جامع العتبية في سماع ابن القاسم قال مالك : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الحوائط وهم يؤبرون النخل ويلقمونها فقال لهم: ما عليكم ألا تفعلوا. فترك الناس الإبار في ذلك العام فلم تطعم النخل فشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما أنا بشر فاعملوا بما يصلحكم <…>

< خاتمة وتنبيهات مهمة >

وبعد فلا بد للفقيه من استقراء الأحوال وتوسم القرائن الحافة بالتصرفات النبوية:

فمن قرائن التشريع: الاهتمام بإبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم الى العامة والحرص على العمل به والإعلام بالحكم وابرازه في صورة القضايا الكلية مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا لا وصية لوارث) وقوله: (إنما الولاء لمن أعتق (


ومن علامات عدم قصد التشريع
: عدم الحرص على تنفيذ الفعل مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الوفاة: (آتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده)

قال ابن عباس : فاختلفوا فقال بعضهم : حسبنا كتاب الله وقال بعضه : قدموا له يكتب لكم ولا ينبغي عند نبي تنازع فلما رأى اختلافهم قال: (دعوني فما أنا فيه خير)

واعلم <…> أنه يجب المصير الى اعتبار ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال فيما هو من عوارض أحوال الأمة صادرا مصدر التشريع ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.

وقد أجمع العلماء على الأخذ بخبر سعد بن أبى وقاص حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصى في ماله قال له: (الثلث والثلث كثير)
فجعلوا الوصية بالزائد على الثلث مردودة إلا أن يجيزها الوارثة ولم يحملوه محمل الإشارة والنصيحة مع ما قارنه مما يسمح بذلك وهو قوله: (إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)
فإنه مؤذن بالنظر الى حالة بسعد وورثته وشدة فقرهم ومع كونه جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين سعد خاصة ولم يفعل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رواه عنه غير سعد فكان للفقيه أن يجيز الوصية بأكثر من الثلث لمن كان ورثته أغنياء ولم يقل به أحد من أهل العلم أو لمن لم يكن له وارث وقد قال بذلك بعض أهل العلم فيما نقل ابن حزم في المحلى عن ابن مسعود وعبيدة السلماني وطائفة وهو قول شاذ.

________________

*  ما بين معكوفتين <> والعناويين الفرعية من إضافتي

e67aa0f1bb

تنويه: هذي التدوينة عبارة عن جمعٍ لأفكار موجودة في كتاب (50 خرافة في علم النفس) لعدة مؤلفين من منشورات دار كلمات، ومن كتاب (المغالطات المنطقية) لعادل مصطفى، إضافة إلى بعض أفكاري وتصرفي في العبارة بشكل كامل ووضع أمثلة واقعية قدر الإمكان

مشكلة الخرافات أنها قد تحيط بنا ونحن لا نعلم، خاصة اليوم مع تعدد وسائل الإعلام سواء كانت على شكل معلومات أو نصائح ويزيد من الرغبة فيها كونها مجانية إلى حد كبير. وأقصد بـ(الخرافة) هنا: معلوماتٌ مشتهرٌ بين الناس صحتها مع أنها خاطئة كليا أو في أجزاء منها في أي حقل من العلوم.
أما عن السبب الباعث هذه الخرافات:
- فهي إما لتفسير ما لا يمكن تفسيره لحل بعض الإشكالات والخلاص منها،
- أو للتزييف المتعمد لتفكير الناس لمصلحة معينة،
- أو لضعف المناهج والآليات العلمية الصحيحة (يمكن الرجوع لنظريات فلسفة ومناهج العلوم في كتب متخصصة أو كتب الإحصاء كأحد محاولات الدقة العلمية في العلوم الطبيعية والإنسانية كما يمكن الاستفادة من منهج علماء المسلمين في نقد الأخبار)
لذلك قد يقع العلماء كما غيرهم فريسة للخرافة! ومعرفة طرائق انتشارها مفتاح الخلاص منها

  • ما تكرر تقرر
    إن شيوع العبارة لا يعني صحتها.. هذه العبارة التي قد تبدو مسلمة نقع ضحية عدم الالتزام بها، حيث إنك قد تسمع خبرا أو رأيا في أحد القنوات فلا تعبأ به، ثم لما تسمعه في قنوات أخرى أو جرائدَ مختلفةٍ قد يثير هذا الأمر الشك عندك، وهكذا لو كانت هناك معلومة خاطئة ثم تناقلها الناس بشكل أو بآخر يصبح ذيوعها علامة على صحتها قبل أن نتحقق من ذلك. (وهذا ما يسمى بسلطة الجمهور)
  • حلول (تيك أوي)
    هكذا نرغب بأسرع الحلول وأفضلها: تكلم الإنجليزي في أسبوع، رجيم في شهر تفقد كل شحومك… إلخ عادة إذا كانت الكذبة قوية نصدقها! كيف ذلك: لو كنت أستاذا واعتذر لك طالب عن عدم حضور الامتحان بسبب زحمة في الطريق لأجل حادث مروري= لما صدقته أول الأمر. لكن لو اعتذر لك نفس الطالب بسبب موت والده= لتعاطفت معه على الفور!
    فالحلول الكبيرة والسريعة ليست معيارا للصدق بل قد تكون معيارا لعدم المعقولية والكذب في أحيان كثيرة
  • الذاكرة الانتقائية (مهم جدا)
    سأبدأ بمثالين لتوضيح الفكرة
    (1) تكلم شخص عند مرضى بالسلطان عن دواء له ثم بعد شهر جاءه أحد الحاضرين قائلا على الملأ أنه تم شفاؤه تماما.
    (2) في تجمع حول أحد الأضرحة الشريفة سمع أحد قول القائل: اللهم لك الحمد أن استجبت لي ورزقتني بمولود بعد أن كنت عقيما حين دعوت في هذا المكان المبارك.
    في المثال الأول: بالرغم من أن إعلان الدواء كان بين عدة مرضى، إلا أنه لم يصرح بالشفاء إلى شخص واحد ولم يتبادر إلى أذهاننا وماذا حصل للبقية: هل أخذ غيره العلاج ولم يشف؟ أليس من الممكن أن يكون شفاؤه بسبب آخر غير هذا الذي اقترحه الرجل؟
    وفي المثال الثاني: نفس الفكرة.. نجد أنه رجل واحد فقط بين ألوف تزور يوميا قد استجيب له. ولم نسأل: وماذا حصل للبقية؟ أوليس من الممكن أن تكون الإجابة لسبب آخر كالإصرار والإخلاص وما إلى ذلك؟
    إننا نحب الإثارة: لا نحب أن نقول دعا أحدهم عند القبر فلم يحصل شيء، أو جرب أحدهم العلاج الفلاني ثم لا شيء!! لذلك ننتقي الإثارة ونهمل الأحداث التي نراها تافهة (هذا أكثر ما يحدث عند مفسري الأحلام يخطئون ألف مرة ولا أحد يلتفت لهم وإذا أصابوا مرة طار الناس بهم)
  • الارتباط لا يعني السببية
    أو لنقل البَعدية لا تقتضي السببية.. إذا كان هناك حدث (أ) وبعده جاء حدث (ب) فإن هناك ثلاثة تفسيرات:
    - إما أن يكون (أ) سببا في وجود (ب)،
    - أو يكون هناك سبب أخر رئيس (ج) هو الذي أوجد (أ) و(ب) ووجود (أ) ليس إلا عرضيا
    - وإما أن يكون وجود (أ) ليس له علاقة أصلا بـ(ب) فقط محض صدفة
    من الأمثلة الطريفة على ذلك: أن بائع آيسكريم لاحظ أن شراء الناس للملابس الطويلة سبب في عدم شرائهم الآيسكريم مع أن السبب الأساس هو أنه في فصل الشتاء يشعرون بالبرد فيشترون الملابس الطويلة ويتركون الآيسكريم!
  • الغموض وعدم القدرة على إثبات العكس
    يحكى أن رجلا أراد أن يحرج جحا فقال له: كم عدد شعرات رأسك؟ فأجاب جحا فورا: (ثلاث مئة ألف وخمس وخمسون! وإن لم تصدق فتأكد بنفسك!!). هكذا أصبح جحا منتصرا لا لكونه مصيبا بل لأن لا أحد يستطيع أن يثبت عكس قوله. فقد يحدث أن يتنبأ شخص بالمستقبل أو يشيع تفسيرا لحدث ماض (كوجود الموساد في قضية ما) إن ما يعطيه قوة ليس صواب قوله وإنما فقط أن لا أحد يستطيع إثبات العكس وهكذا نقع في الفخ.
  • أثبتت الدراسات وقال العلماء
    غالبا نجد هذه الجملة قبل كل كذبة!.. لكن هل بالفعل هناك تجربة علمية معتمدة؟ وهل هي قديمة أو حديثة؟ هل هناك مصدر لهذه التجربة أو لذلك القول؟ قد يكون كل ما في الأمر أنه دعاية أو كذبة؟ هذه من الأسئلة التي قل من يلتفت إليها ملتقي الإشاعات وناشري الخرافات.
    ومن ناحية أخري: هل كل قول لعالم يعطيه مصداقية؟ قد لا يكون العالم متخصصا في هذا المجال! وقد يكون قوله معارضا بقول عالم آخر! (وهذه هي سلطة العالم)
  • عدة حقائق بينهم كذبة (مهم)
    إذا كان بعض الكهنة والدجالين يصدق مرة ويكذب ألف مرة فيصدقه الناس لصدقه مرة فما بالك بمن يمرر الكذبة بين عدة معلومات صحيحة؟ إننا حين نجد عدد من المعلومات الصحيحة فإن ذلك يعطينا انطباعا بأن كل ما يقال بعد ذلك أيضا صحيح. في بعض الأحيان نجد شخصا يتكلم عن موضوع ما فيبدأ بإحصاءات دقيقة وصحيحة ليجذب الانتباه ويطمئن المستمع ثم بعد ذلك يبدأ في تمرير ما ليس علميا لكن لن يشك أحد في صدقه بعد الآن!
  • نصف الحقيقة أخطر من عدمها
    إن الجهل أحيانا أفضل من معلومة مغلوطة أو غير مكتملة.. إن الأفلام تعتمد الإثارة في عرض بعض الأمراض النفسية مثلا، فيعرض الفيلم أحد صور هذا المرض لكنه لا يلفت الانتباه إلى أنه ليس كل صور المرضى بهذه الشكل!
    وأحيانا نجد الذين يدافعون عن أيدولوجياتهم وأفكارهم يشيعون على نصف حقيقة. فمثلا لو سألتني عن الدول العادلة فتكلمت عن الدولة الأموية ومثلت بعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، فإن الرسالة التي أوصلتها مفادها أن كل خلفاء الدولة كانوا مثله!! إن البحث عن الحقائق على صورتها الكاملة أمر متعب لأن الحقائق أحيانا تكون مرة؛ لذا نأخذ النصف الذي نريد لأنه يعجبنا ونغض الطرف عما سواه.
    المشكلة هنا أن المعلومة صحيحة لكنها ناقصة نقصا يؤثر في تشويه الأحقيقة!

هذا موجز لبعض الأفكار أتمنى يكون أعجبك ويكون مفيد في عدم الوقوع في فخ أي خرافة.. وبالتوفيق ^_^

-----3~1

مرةً، سألني قريبي عن صلاة الجماعة فأخبرته أن هناك علماء (جمهور المذاهب) يرون عدم فرضيتها عينيا فهي ليست واجبةً على كل شخصٍ! فقال مستغربًا: أنت شيعي! (لأنه يعرف أن الشيعة يصلون فرادى)

الواحد منّا حين يحضر وليمةَ عرس بلبس نوم لماذا يستغربه الناس ويستهجنه؟ صحيح العادات والتقاليد هي السبب.. لكن ماذا يعني هذا؟
تماما كما يعطي اللون الأحمر إشارة مدلولها: قف؛ فإن مشينا على الخطوط التي ترسمها لنا التقاليد يعطي إشارة (رمزية) مدلولها: أنا منكم وفيكم (أنتم على مأمن مني)
وبالمقابل فإن الخروج عن هذه الحدود (قصة شعر غريبة كمثال صغير) يعطي مدلولا معاكسا: أنا شخص غريب، لا أحبكم، لي انتماء آخر (إذن أنت لست منا وفينا إذن لسنا على مأمن منك). **ربما يكون هذا التحليل صحيحا أو أنه جزء من التشخيص**

طيب (بناء على ذلك).. ماذا لو كانت الفتوى السائدة تعتبر تقليدا؟ ستكون نتائج الخروج عن الفتوى  حينها نفس نتائج الخروج عن التقاليد، ولن تستغرب وقتها جواب قريبي.

في الأخير.. أذكر أننا لما كنا في الثانوي كان معرفة وجود رأي آخر في فرعيات صغيرة مثل: الحجاب والموسيقى والإسبال واللحية إلخ= يمثل معرفة سر دفين أو كنز مفقود! لأننا كنا نعتبرها جزءا من التقاليد. وطبعا هناك أسباب أخرى للخوف من الفتاوى الجديدة لكن قد يكون هذا أحدها. **(ولعل من يطلع على علم الاجتماع الديني أو علم اجتماع المعرفة أو ربما فرع الدين عند الأنثروبولوجيين يجد أجوبة أخرى)**
هناك مسافة بين ما هو ديني (وهو واسع ويقبل الخلاف) وما هو عاداتي وتقاليدي إن صح التصريف (وهو عادة ضيق صعب التغيير) وتكمن المشكلة في الخلط بينهما.. ففرقوا بينهما رحمكم الله

وشكرا لكم على حسن استماعكم وإنصاتكم إلى أن نلقاكم في تدوينة أخرى نترككم في رعاية الله :)

بما أن اليوم جمعة وشكلكم طفشانين من خطبكم ونايمين كمان عندي فكرة مفيدة للوعاظ وللعقلية المسلمة إجمالا:

mic

أظن أنه يوجد عدة خطابات للشرع:”ثم أورثنا الكتاب اللذين (اصطفينا) من عبادنا
-فمنهم ظالم لنفسه
-ومنهم مقتصد -
ومنهم سابق…”

يعني فيه خطاب لعامة الناس زي “إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم” وزي (أفلح وأبيه إن صدق) وغيره،،، هذا فقط يطالب بالفرائض وترك الكبائر

وفيه خطاب لمن يريد الزيادة وهذا يخاطب بالنوافل وترك الصغائر

وفيه خطاب لمن أراد السبق وهذا يخاطب بالأولى والمستحبات وترك المكوهات

وهذا سبب تعدد خطاب النبي صلى الله عليه لأصحابه وأوامره لهم بناء على مكانتهم من هذي الخطابات،، (انظر السنة التشريعية وغير التشريعية للطاهر بن عاشور)
(مشكلة الوعاظ) أنهم يخاطبون الناس بخطاب السابقين فيظن الواحد منهم أن الشرع يطالبهم بالنوافل والمستحبات كما يطالبهم بالفرائض والواجبات على حد السواء ويطالبهم بترك المكروهات والصغائر كما يطالبهم بترك المحرمات على حد السواء فتنشأ عقدة الناس من هذه الأمور التي ربما أفضت لارتكابهم المحظور وترك المأمور.

image_science_globe[1]

وظيفة العلم

يصر العلماء على عدم التوقف عن طرح الأسئلة وعدم إقفال باب البحث والاستكشاف، لكن دون الادعاء بالوصول للحقيقة المطلقة. فالمطلق بالنسبة لهم حاضر في البال بعيد المنال. وكلما سما العقل البشري إلى ذُروة جديدة من ذُرى المعرفة: انْدَاحت أمام بصيرته آفاق أبعد وأسع وأعمق، بمعنى آخر فالأجوبة التي يقدمها العلم تحمل في طياتها أسئلةً أصعب وأكثر تعقيدا.
يقدم العلم تفاؤلا بمستقبلٍ أفضل من خلال محاولة فهم هذا الوجود وتسخير قوانينه؛ لخدمة أغراض الإنسان وحل مشكلاته. لذا ما يعزز مصداقية العلم عند الناس: هو الآثار الملموسة للعلم والنتائج التقنية التي تغير الحياة وتشكل العالم.
كم من العلماء من صقلته المصاقل وشنقتنه الكنائس؛ لأنهم لم يستطيعوا التوقف عن التفكير والرغبة في المعرفة ثم الجهر بها!. العالِم يهمه معرفة الحقائق بموضوعية وتجرد, ولا ينكشف له سر إلا ويسعى لكشف آخر.
بالمنهج العلمي وقدرات العقل البشري تتضاعف قدرة الإنسان على تسخير الطبيعة والقدرة على التعامل مع مختلف مشكلات الحياة في كل جوانبها, بعيدا عن كل ما يسبب ضبابية التفكير واختلاط المفاهيم والاستسلام لمجريات الأمور كما هي عليه!

الغيبوبة العلمية

في ظل غياب العلم وبدائية التكنلوجيا تتكون النظرة السلبية الاستسلامية. وحينها تقوم بدلا من العلم التفسيراتُ الأسطوريةُ.
بعدما أطلق الإنسان لعقله العَنان وأسلم نفسَه للعلم استطاع أن يحلقَ إلى أعلى مستويات التجريد ويحيلَ مظاهر الكون إلى صيغ رياضية ومعادلات حسابية أحالت البحر إلى HO2 واستطاع الإنسان أن يطأ الكواكب التي كان من أسلافه بالأمس من يركع لها.

مفهوم النظام

بعد اكتشاف الجاذبية وقوانين الحركة ومع اكتشاف المنظومة الشمسية والدورة الدموية ودورة المادة والأنساق البيئية بدأ يطغى مفهوم (النظام) على التفكير العلمي.
وكما يطبق العلماء المنطق العلمي على العلوم الطبيعية فإنهم يجارون ذلك في العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ لنتفهم المؤثرات على سلوك الإنسان الذي يبدو عفويا مما يتيح لنا كشف أسراره. إذ لا توجد فوضى في هذا الكون. قد لا يكون الإنسان على وعي بهذه القوانين لكن عدم الوعي بالظاهرة لا يعني عدم وجودها. سمة التجرد لابد من توفرها في العالِم المتخصص لاكتشاف هذه الأنساق دون اتخاذ موقف مسبق حيالها. فالعلم مسائل تبحث عن حلول وليس مواقف تبحث عن دعاة وأنصار. العالم ليس واعظا ولا داعية وليس مؤدلجا إنما هدفه الفهم قبل التقويم.

تخطي الخصوصية

كل شيء مرهون بزمانه ومكانه وظروفه التاريخية والبيئية. والإنسان إلى حد ما حبيس المعطيات الحضارية ورهين الظروف الاجتماعية التي تملي عليه طريقة تفكيره وسلوكه.
علماء الإنسان والفلاسفة يدركون هذا الإشكال لذا حاولوا تخطي خصوصيتهم الحضارية إلى الأحكام العامة التي لا يحددها زمان ولا مكان. ومن هنا جاء المنهج العلمي ليحترز من الانطباعات والمشاعر والذاتية ومن تسربات القيم والتقاليد والأيدولوجيات.
أثبت المنهج العلمي أن الإنسان قادرٌ عن طريق البحث والتحليل أن يصل إلى خفايا المجهول عن طريق ظواهر المعلوم سواء في الطبيعيات أو قضايا الإنسان. لذا نستطيع مثلا أن نعرف حركة الأجرام وما في باطن الأرض ونتصور الحياة قبل التاريخ عن طريق الشواهد الملموسة.

الحقائق التي يتوصل لها العلم موجودة أصلا, العلم فقط ينبه على وجودها ويكتشف قوانينها, مثل المتكلم الذي يتكلم بالقوانين اللغوية دون وعي بها. والناس عموما في مجالات الحياة يتصرفون دن وعي بالقوانين التي تحكم تصرفاتهم, لكن عدم الوعي بها لا يلغي وجودها. ومهمة الباحث استنباط هذه القوانين قدر الإمكان.

الحكم على الأفكار

علينا أن لا ننس أن الأفكار لا تولد في فراغ وإنما في أجواء معينة تميز عصرا من العصور، وتدخل هذه الأفكار الجديدة مع بعضها ومع ما سبقها وقد تجهض أفكارا أخرى أو قديمة في نفس الوقت. فتضاريس الفكر ليست مسطحة إنها قمم وأغوار وطرق متعرجة ولجج تحتاج إلى اسطرلابات وبوصلات وقبطان حاذق. من هنا فلا بد للقارئ لكي يستوعب الفكرة أن يلم بخلفيتها والأرضية التي أنبتتها فيحكم عليها من هذه المعطيات لا من معطيات الحاضر.
النموذج العلمي القديم ساهم في الرقي بمستوى الأدوات البحثية وكان في وقت فاعلا ومنتجا لكن شيئا فشيئا تظهر عدم قدرة هذا النموذج للاستمرار حينها يظهر النموذج الجديد أو النموذج البديل فيصبح سائدا كما كان النموذج القديم هو السائد. ولا يشترط أن يكون هذا النموذج الجديد إبداعيا محضا بل قد يكون تركيبيا يتألف من أفكار تتلاحم لتشكل نموذجا له قدرة تفسيرية أوسع كما حدث مع (نيوتن) حين دمج قانون (غاليليو) عن القصور الذاتي مع فكرة (كبلر) عن الدوران البيضاوي للأجرام ليخرج بقوانينه عن الحركة التي تؤيد ما توصل له (كوبرنيقس) وقد كان هذا الأخير رفض نموذج (طولومي) عن دوران الشمس حول الأرض.
لذا فإن من الخطأ أن ندعي أن الأوائل كانوا جهلة بقبولهم الأفكار الخاطئة وأن المتأخرين أكثر ذكاء. وهذه التحولات النموذجية لا تطال فرعا واحدا بل تؤثر على كل المعارف. فلما جاء النموذج التطوري في علم الأحياء انتقل إلى العلوم الإنسانية وهكذا أثرت النسبية والبنيوية وتبنتها كل العلوم بعد ظهورها. ولولا النظريات التي عفا عليها الزمن لما وصل العلم إلى ما وصل إليه الآن.

__________

*اختصار مقدمة كتاب ملحمة التطور البشري – سعد العبدالله الصويان (مع التصرف)

معرض الوسوم

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.